لا يمكن أن تُبنى الديمقراطية في مجتمع يفتقر إلى روحها، إذ لا تختزل في نصوص دستورية أو مؤسسات شكلية، بقدر ما تقوم على ثقافة راسخة وسلوك يومي ينبع من قناعة الأفراد بها. فكلما تشبّع المجتمع بقيم الديمقراطية، ازداد تماسكه وارتفعت قدرته على الاستمرار. إنها ممارسة تقوم على احترام الآخر، وقبول الاختلاف، والاحتكام إلى الحوار بدل العنف والتعصب والتمييز، مع الإقرار بحق الجميع في التعبير والانتماء السياسي وممارسة حقوقهم دون إقصاء.
ليست الديمقراطية فناً يُتقن نظرياً، بل هي سلوك يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، فردياً وجماعياً، عبر مؤسسات المجتمع والدولة. فالأحزاب والنقابات والجمعيات، باعتبارها أدوات لتأثيث الفضاء الديمقراطي، تفقد معناها عندما تغيب عنها الروح الديمقراطية، وتتحول إلى هياكل فارغة إذا ما تم توظيفها لخدمة الانتماءات الضيقة، سواء كانت طائفية أو عرقية أو إثنية أو قبلية، وهو ما يفضي إلى إفساد المجال الديمقراطي وإفراغه من مقاصده.
الديمقراطية، في جوهرها، لا تقبل التجزئة أو الانتقائية؛ فهي منظومة متكاملة، إما أن تُعتمد بقيمها كاملة أو تُفرغ من مضمونها. لذلك فهي تتنافى مع كل أشكال التعصب، وترفض التمييز على أساس الدين أو الهوية.
ومن هذا المنطلق، يقتضي الالتزام بروح الديمقراطية رفض المساس بأي ديانة، مع التأكيد على أن التعدد الديني كان ولا يزال جزءاً من التاريخ المغربي. فالديانة اليهودية، رغم تراجع حضورها العددي بفعل التحولات والهجرة، تظل مكوناً من مكونات هذا التنوع الثقافي والحضاري.
كما أن صيانة الحرية الدينية تظل ركيزة أساسية لبناء مجتمع متوازن وعادل، يحترم كرامة الإنسان ويصون حقوقه. غير أن هذا الالتزام يقتضي أيضاً التمييز الواضح بين الانتماء الديني لليهود كأفراد، وبين الصهيونية كحركة سياسية ذات أهداف وسياقات خاصة، حتى لا يقع الخلط الذي يسيء إلى قيم العدل والإنصاف التي تقوم عليها الديمقراطية.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
