لا تفصلنا عن الاستحقاقات الانتخابية التشريعية المقبلة إلا أشهر معدودة، ولعل السؤال الكبير الذي يطرحه الكثير من الناس هو كيف ستستقبل الأحزاب المُشكِّلة للحقل السياسي هذه الاستحقاقات، سواء التي تدبر الشأن العام في الولاية الحكومية المشرفة على الانتهاء، أو الأخرى التي تتموقع في المعارضة، أو التي بين بين؟ وماذا أعدَّت لكي تكون في مستوى التطلعات والتحديات التي تنتظرها على جميع المستويات؟ هل قرأت اللحظة الفارقة التي يمرُّ منها المغرب والتحولات الكبيرة التي يعرفها المجتمع، والطموحات الكبيرة التي تراوده في ظل أزمة مستحكمة ساهمت فيها العديد من القرارات والإجراءات التي اتخذتها هذه الحكومة، والتي مسّت قطاعات حيوية وأثرت تأثيرا مباشرا سلبيا على الوضعية الاجتماعية لمختلف شرائح المجتمع، ومن جهة أخرى؟ هل وضعت نصب أعينها التحولات العميقة والجوهرية التي يعيشها العالم، حيث الحروب والتوترات الدولية والإقليمية وصلت مداها، ولا أحد يعرف ماذا يخفيه المستقبل، وكل ذلك سيكون له دون شك انعكاس كبير على الاقتصاد المغربي، أم أن الأحزاب السياسية المغربية، كما هو مألوف، لا يدخل ذلك ضمن أجندتها وأولويتها، لأن همها الوحيد انتخابي محض، وأقصى طموحها هو حصولها على أصوات المواطنين، والرغبة في المشاركة في الحكومة المقبلة والحصول على حقائب وزارية، وكسب مجد سياسي وهمي تعود منفعته على الحزب وعلى المستوزرين، أما المواطن، فهو يتدبّر أموره بنفسه، ويتكيّف مع الأزمات، ويُذعن لكل ما تأخذه هذه الحكومات من إجراءات وقرارات، لأن الصوت الذي من المفترض أو من المفروض أن يكون في موقع الدفاع والمرافعة عنه، ويستحضر معاناته وحاجياته ومدى قدرته على توفيرها، هو نفسه الذي يصوت على هذه القرارات المجحفة والظالمة في بعض الأحيان، وهذه مفارقة عجيبة لن تجدها إلا عند الأحزاب السياسية وعند أغلب السياسيين المغاربة ؟
إن الذي يتابع الوضعية الحزبية المغربية وكيف تدبِّر الأحزاب أمورها وشؤونها الداخلية، وكيف تنظر إلى الواقع المغربي، وكيف تحلله، واللغة التي يتم استخدامها، لا شك أنه سيخرج بخلاصة مؤداها أن الأحزاب ستتوجه إلى الانتخابات المقبلة وإلى الناخبين وهي تعاني من أعطاب كثيرة تراكمت على مدار السنين دون أن تنتبه يوما إلى إيجاد أدوية شافية لها، وهي أولا غياب الديمقراطية الداخلية، وسيطرة تيارات بعينها على هياكل الأحزاب مدعومة بقوة داخلية تتمتع بنفوذ قوي، وعدم احترام القوانين الداخلية للأحزاب، حيث يتم خرق الكثير منها لاستمرار فلان أو علان في تسيير دواليب الحزب، تحت مبررات ومسوغات معينة، أو تكييف القوانين لإعادة انتخاب أمناء عامين لأكثر مما يسمح به قانون حزبهم، ولتذهب الديمقراطية إلى الجحيم، وكل هذا حقيقة أثّر سلبا على الكثير من الأحزاب، التي بهذه السلوكات غادرها العديد من المناضلين الكبار، الذي يمَّم بعضهم وجهه شطر أحزاب أخرى، وفضل البعض الآخر اعتزال العمل السياسي بشكل نهائي. ثانيا الخطاب السياسي الحزبي الذي تلوكه وتستهلكه هذه الأحزاب اليوم، لم يعد يقنع ولا يغري أحدا، ولا طعم له، نفس الوجوه وخطابات بئيسة وكلاسيكية متجاوزة بلغة رديئة، لا تقدم أجوبة حقيقة على الوضع الراهن، حيث المشاكل في كل مكان، والحلول غائبة، والحقيقة أن ما يجعل المشهد السياسي الحزبي في المغرب لا يعطي أي إشارات إيجابية نحو التطوير والتجديد، هو حديث وكلام بعض السياسيين الذين يمرون في بعض وسائل الإعلام الوطنية مؤخرا، والذي تطغى وتهيمن عليه الديماغوجية، وإطلاق العنان لخطاب سياسي أجوف غير مؤسَّس لا يطرح البدائل، بل يفتح المجال لقول أي شيء في كل شيء لكن دون فائدة، مما يجعل هذا الخطاب فاقدا للمصداقية والعمق السياسي الذي نطمح إليه، ويبقى أكبر تحدي ستواجهه هذه الأحزاب ليس في الاستحقاقات المقبلة وحسب، وإنما في المستقبل، وهو هذا الوعي السياسي المتزايد لدى المجتمع، الذي أصبح بفعل توفر المعلومة أكثر قربا للشأن السياسي في البلاد وله القدرة اليوم على التمييز والتعبير بحرية، ومن الصعب أن تنطلي عليه الأكاذيب والوعود العقيمة، وهذا ما جسَّدته الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة، حيث وجدت الأحزاب نفسها في وضع لا تحسد عليه، الشباب واهتماماته وانشغالاته في واد والأحزاب وبرامجها وسياساتها في واد آخر.. لو كانت هناك ثقة في هذه الأحزاب وأعطت دروسا في الديمقراطية وأشكال تدبير الاختلاف وقبوله، لحاول هؤلاء الشباب الانضمام إليها بغية تكوين سياسي وفكري هادف، يصنع منهم رجالات سياسية مستقبلا تقود البلاد، ليشكلوا الخلف، ويحدون من شيخوخة القيادة الحزبية في المغرب الجاثمة على الصدور، لكن للأسف صدر هذه الأحزاب لا يتسع لكل ذلك، ولا تبذل أي مجهود في التأطير والاستقطاب، فما تروم إليه دائما هو استقطاب اللاعب الجاهز كما في منتخبات الكرة، وخاصة إذا كان من الأعيان ومحفظته مملوءة! لتلقي به في أتون أي استحقاق قادم لتحصل به على مقعد انتخابي وكفى..
إن تخلي الأحزاب عن أدوارها الحقيقية وانصرافها إلى الانشغال باليومي أو بأمورها الذاتية الداخلية على علاتها، دون رؤية واضحة لما يعتمل في المجتمع، ترك الدولة بكل أجهزتها وحيدة في مواجهة كل الأزمات والمشاكل التي يفجرها المجتمع وشبابه كما حدث مؤخرا مع جيل زد ، حتى قدمت الدولة تضحيات في وأعادت الأمور إلى نصابها، وهي تلعب دور المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها، وبعد استتباب الأمن، وبعد برهة من استقرار الوضع، خرجت تتحدث وتناقش في الموضوع بعد فوات الأوان وهي تدرك أن لا أحد يستمع إليها، وهذا فيه إخلال واضح بكل المسؤوليات الملقاة على عاتقها وهي التي تتحرك وتحيا بأموال الدولة ومن دافعي الضرائب، ومن هذا المنطلق، بدأ الرأي العام المغربي في تشكيل صورة قاتمة عن الأحزاب بعدما وجدها بعيدة عن طموحاته، ولا يحصل ذلك التناغم المنتظر بينهما، وهنا لا بد أن نتساءل كيف يمكن لهذه الأحزاب أن تشتغل وتضمن الاستمرارية دون قواعد ودون جماهير تسندها؟ ومن المحتمل جدا إذا لم تشمِّر على سواعدها وتطلق إشارات واضحة على مستوى الخطاب والواقعية السياسية، ومحاولة اجتراح أجوبة حقيقية للمشاكل والمعضلات الاجتماعية التي تلقي بظلالها على المجتمع على مختلف الصِّعد، وبالابتعاد عن لغة الخشب ودغدغة المشاعر والاقتراب أكثر من أي وقت مضى إلى المجتمع ونبضه، وتغيير كثير من الأساليب والاستراتيجيات التي تعتمد عليها في التسيير، وذلك ببذل جهد مضاعف للتصالح مع كل أطياف المجتمع، ومقاربة الواقع بكل تعقيداته مقاربة حقيقية وصريحة، فمن المؤكد أنها ستخسر المعركة التي هي مقبلة عليها.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

