يسيل حبر القلم عند الحديث عن الماء وعلاقته بالإنسان ومدى حاجته إليه، ولا يُمكن أن يمر يومٌ واحد دون أن يكون هناك تماس مباشر بينهما؛ فهو شريان لكل شيء ، وعنصر أساسي في استمرارية الحياة، لذا فإن الحديث عنه بصورة مؤسسية يعني أنه ركيزة أساسية في نهضة أي مجتمع.
منذ عقود طويلة، سعى العمانيين إلى تأمين الموارد المائية وإدارتها وتخزينها من خلال أساليب تضمن إيصال المياه إلى المجتمعات آنذاك، بما يكفل استدامتها واستمراريتها، وقد شكّل اكتشاف وجود مياه جوفية في مناطق مرتفعة من باطن الأرض دافعًا لاستثمار هذه الموارد المائية على نحو أمثل، الأمر الذي أدى إلى إنشاء منظومة الأفلاج تعمل على نقل المياه من الآبار الجوفية عبر قنوات الأفلاج وصولًا إلى مختلف استخدامات المجتمعات من المياه، ومنذ ذلك الحين وحتى الوقت الحاضر، استمرت جهود الحفاظ على الموارد المائية في سلطنة عمان لضمان استدامة الأمن المائي، حيث اضطلعت الحكومة العمانية من خلال الشركات والمؤسسات المعنية بإدارة المياه، بدور فاعل في تنظيم هذا المورد الحيوي بما يضمن وصوله إلى جميع المواطنين والمقيمين داخل سلطنة عمان والحد من آثار انقطاع المياه على المجتمعات، واليوم تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سلطنة عُمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تفادت تصنيف الندرة الحادة للمياه (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا) حيث يبلغ نصيب الفرد من الموارد المتجددة حوالي 583 م³/سنة مقابل انخفاض المؤشر لدى بقية الدول الخليجية دون عتبة 500 م³.
وبادئ ذي بدء، اعتمد العُمانيون على المياه الجوفية كمصدر رئيسي للشرب والزراعة منذ قرون؛ حيث حُفرت الآبار واستُخدم نظام الأفلاج التقليدي لنقل المياه من العيون والطبقات الجوفية إلى القرى والمزارع، وحتى اليوم، ما تزال آلاف الأفلاج نشطة تروي المزارع والبساتين وتسدد احتياجات المجتمعات إذ تشير المعلومات إلى وجود أكثر من 3000 فلج ما تزال قيد الاستخدام في أنحاء سلطنة عمان وتمثّل هذه القنوات المائية القديمة التي تعمل بالجاذبية تراثًا هندسيًا واجتماعيًا فريدًا؛ فقد أدرجت منظمة اليونسكو خمسةً من الأفلاج العمانية على قائمة التراث العالمي تقديرًا لدورها التاريخي في توفير المياه وتقاسمها بعدالة بين أفراد المجتمع، ورغم أن الأفلاج مهددة اليوم بانخفاض منسوب المياه الجوفية بسبب تراجع الأمطار وزيادة الضخ، إلا أنها تظل شاهدًا حيًا على قدرة العمانيين منذ آلاف السنين على التكيّف مع شُح المياه عبر إدارة جماعية مستدامة.
ولم يعد الاعتماد على المصادر الطبيعية وحدها كافيًا لتلبية احتياجات المجتمع العماني حيث تُقدّر المياه الجوفية المتجددة في سلطنة عُمان بحوالي 1.3 مليار متر مكعب سنويًا، تأتي معظمها من الأمطار الموسمية المحدودة التي تتسرب عبر الأودية إلى طبقات الأرض. في حين تعد هذه الكمية المتواضعة تحديا في مواجهة الطلب المتزايد وبخاصة من قطاع الزراعة الذي يقدر استهلاكه بأكثر من ثلاثة أرباع الموارد المائية السنوية. في السياق ذاته تشير البيانات الرسمية إلى أن المياه الجوفية تمثل نحو 83% من إجمالي المياه العذبة المستخدمة في البلاد؛ ما يظهر مدى الاعتماد المستمر على هذه المخزونات الطبيعية. أضف إلى ذلك، أن هذه المياه تُستخدم لري المحاصيل وتزويد بعض المناطق الريفية بمياه الشرب عبر الآبار، إلا أن الإفراط في الضخ أدى في بعض المناطق إلى استنزاف المخزون الجوفي وتسرب مياه البحر إلى الخزانات الساحلية، الأمر الذي أدى إلى رفع ملوحة بعض الآبار وانخفاض جودتها
وعلاوة على ذلك، وأمام محدودية الموارد الطبيعية، اتجهت سلطنة عُمان مبكرًا إلى تحلية مياه البحر لتعويض الفجوة بين العرض والطلب، فمنذ العقود الأخيرة من القرن الماضي، أُنشئت محطات تحلية على سواحل سلطنة عمان لتوفير مياه الشرب للمدن الكبرى والمناطق الساحلية، وبفضل ذلك، تُغطي اليوم المياه المُحلّاة نسبة متزايدة من استهلاك المنازل والمؤسسات، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 92% من مياه الشرب التي تصل إلى منازل العمانيين مصدرها محطات التحلية- وهي نسبة تضع سلطنة عمان ضمن الدول الأكثر اعتمادًا على التحلية في الخليج جنبًا إلى جنب مع الكويت، التي تتجاوز نسبة التحلية فيها حوالي 90٪. بالإضافة إلى ذلك، تعمل معظم هذه المحطات بتقنية التناضح العكسي الحديثة، وقد تحوّلت السلطنة نحو هذه التقنية التي تُعدّ الأعلى كفاءة لتخفيض استهلاك الطاقة؛ وبلغت حصة تقنية التناضح العكسي 100% بين محطات التحلية. كما تنتشر محطات التحلية الرئيسية قرب التجمعات السكانية الكبيرة: كمحطات مسقط الكبرى في الغبرّة وقريات، ومحطة صحار في شمال الباطنة وبركاء في جنوب الباطنة ومحطتي صور وأصيلة في الشرقيتين وعدة محطات صغيرة في محافظة ظفار لتأمين صلالة والمناطق الجنوبية في سلطنة عمان، وتنتج هذه المحطات مجتمعةً مئات آلاف الأمتار المكعبة من المياه يوميًا لسد الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية والبيئية. فعلى سبيل المثال، تضخ محطة صحار للتحلية على ساحل محافظة شمال الباطنة المياه عبر أنابيب طويلة تصل إلى المناطق الداخلية من المحافظة.، وفي السياق ذاته، وفي مشروع حديث لتعزيز الإمدادات، موّلت سلطنة عمان خط نقل إستراتيجيًا بطول 230 كم من محطة صحار إلى محافظة الظاهرة، بكلفة 150 مليون ريال عماني، إضافة الى مشاريع استراتيجية أخرى لنقل المياه في محافظات الشرقية والداخلية والباطنة مع منظومة ضخ وخزانات بسعة تقارب نصف مليون متر مكعب لضمان تدفق المياه العذبة إلى الولايات البعيدة التي كانت تعتمد سابقًا على الآبار الجوفية، حيث تقلل هذه المشروعات الاعتماد على الآبار المحلية وتحفظ المخزون الجوفي من الاستنزاف على المدى البعيد.
وإلى جانب التحلية لمياه البحر والمياه الجوفية، استثمرت سلطنة عمان في حصد مياه الأمطار عبر السدود، فخلال العقود الماضية أُنشئت العشرات من سدود التغذية الجوفية وسدود التخزين السطحي في الأودية الموسمية لالتقاط مياه الأمطار الغزيرة حين تهطل فجأة، حيث يبلغ عددها نحو 191 سدًا متنوع الوظائف، وذلك حتى نهاية عام 2024م، منها 67 سدًا للتغذية الجوفيةتعمل على إبطاء جريان مياه الأودية ليتسنى لها التسرّب إلى باطن الأرض وتجديد المخزون الجوفي، و115 سد تخزين سطحي لحجز المياه والاستفادة منها للاستخدامات المحلية والزراعية، إلى جانب عدد من سدود الحماية من الفيضانات. أضف إلى ذلك، تصل السعة الإجمالية لجميع هذه السدود إلى حوالي 357.7 مليون متر مكعب، ومن أبرز مشروعات حصاد المياه سد وادي ضيقة في ولاية قريات، الذي يُعد أكبر سد في سلطنة عمان بسعة تقارب 100 مليون متر مكعب. كما يجري حاليا انشاء محطة تنقية تُزوّد ولاية قريات وأجزاء من محافظة مسقط بحوالي 72 ألف متر مكعب من مياه الشرب يوميًا من مخزون هذا السد لتصبح مصدرًا مائيًا مهمًا في البلاد.
وعلاوة على ما سبق، تحظى إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة كمصدر رابع للمياه عبر إنتاج المياه المجددة باهتمامٍ متزايد في السنوات الأخيرة، فمع توسع المدن وازدياد الاستهلاك البشري للمياه، ازدادت كميات مياه الصرف الصحي التي يتم تجميعها ومعالجتها بتقنيات متقدمة، وقد أدركت الحكومة العمانية عبر الشركات والمؤسسات المعنية بإدارة المياه أن المياه المجددة مورد ثمين يمكن أن يخفف الضغط عن المياه العذبة؛ لذلك، تُستخدَم اليوم مياه الصرف المعالَجة في الري الزراعي المقيد وفي سقي المسطحات الخضراء في المدن الكبرى، فعلى سبيل المثال، تعتمد حدائق ومتنزهات مسقط إلى حد كبير على المياه المجددة القادمة من محطات المعالجة مثل محطة الأنصب ومحطة السيب بدلًا من استنزاف المياه الجوفية أو المُحلاّة، وتفيد الإحصائيات الصادرة من Water HQ إلى أن حوالي 35% فقط من مياه الصرف المعالجة في دول الخليج يُعاد استخدامها فعليًا حتى عام 2018م، بسبب تحديات صحية واجتماعية ولوجستية. أما سلطنة عمان فقد قطعت شوطًا مشهودًا في هذا المجال، إذ استثمرت في إنشاء شبكات توزيع للمياه المجددة لاستخدامها في الري الحضري وفي الأنشطة الزراعية مثل مشروع انشاء شبكات المياه المجددة في منطقة الشخاخيط بولاية بركاء والذي تستفيد منه على عدد من المزارع في ولاية بركاء وتعمل على رفع نسبة الاستفادة منها لتقليل الفاقد من المياه. كما تضع السلطنة معايير صارمة لجودة هذه المياه لضمان سلامة استخدامها في الزراعة المقيدة، بناء على المواصفات الرقابية للمعيار الدولي الذي وضعته UN Water .
وبعد استعراض مصادر المياه المتنوعة، يبرز سؤال مهم: كيف تدار شبكة المياه في عُمان من الإنتاج إلى التوزيع؟ تبدأ الرحلة المائية من مواقع الإنتاج، سواءً محطة تحلية ساحلية أو حقول آبار جوفية أو سد تخزيني، ففي مواقع الإنتاج هذه، تُجرى المعالجات الأولية والنهائية للمياه لتصبح صالحة للشرب والاستخدام البشري، وتمرر محطات التحلية مثلًا مياه البحر بعمليات تنقية دقيقة عبر أغشية التناضح العكسي لإزالة الأملاح والشوائب، ثم يُضاف مقدار محسوب من المعادن لتحقيق التوازن المناسب لجودة الماء وصحة المستهلك، وتُعقم المياه عادةً بالكلور أو مشتقاته لضمان القضاء على أي كائنات دقيقة. أما مياه الآبار الجوفية، فعادة ما تُعقم أيضًا وتُرشَّح لضبط جودة الماء وإزالة أي ملوثات طبيعية (مثل ارتفاع ملوحة بعض الآبار الساحلية أو وجود تركيز من الفلورايد في بعض الطبقات)، وفي حالة مياه السدود السطحية، تُنشأ محطات تنقية تقليدية تزيل العكارة والبكتيريا عبر الترشح والتطهير قبل ضخها في الشبكة.
وعقب مرحلة الإنتاج والمعالجة، تدخل المياه شبكة النقل والتوزيع الواسعة، حيث تمتلك سلطنة عُمان بنية أساسية متنامية من خطوط الأنابيب الإستراتيجية التي تنقل المياه عبر مسافات طويلة من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك، فعلى طول ساحل الباطنة وصولًا إلى الداخل، تمتد خطوط رئيسية بقطر كبير تربط محطات التحلية بمختلف المحافظات الشمالية، ويُضخ الماء عبر هذه الأنابيب بواسطة محطات ضخ قوية ترفع الضغط لضمان تدفق المياه عبر التضاريس المتنوعة، لاسيما مع وجود مناطق مرتفعة كالجبال الداخلية، وفي المشروع الذي يربط محطة صحار بمحافظة الظاهرة، جرى بناء أربع محطات ضخ بطاقة إجمالية تصل إلى 144 ألف متر مكعب يوميًا، لتدفع بالمياه عبر الأنابيب إلى عشرات القرى على طول المسار، وعلى امتداد الشبكة، أُقيمت خزانات تجميع وتوزيع في مواقع إستراتيجية (أعلى التلال المطلة على المدن غالبًا) بسعات ضخمة تصل إلى مئات آلاف الأمتار المكعبة، وتعمل هذه الخزانات كموازن لاستقرار الإمداد؛ فهي تختزن المياه في فترات انخفاض الطلب (مثل ساعات الليل) لتضخها وقت الذروة (كالنهار وأوقات الحر الشديد). كما توفر احتياطًا مهمًا لحالات الطوارئ وانقطاع الإنتاج.
وفي المرحلة التي تليها، وفي داخل الأحياء والمناطق السكنية، تتفرع خطوط التوزيع الفرعية من الخزانات الرئيسية لتوصل المياه إلى المنازل والمنشآت عبر شبكة أنابيب أصغر تمتد تحت الشوارع، وفي السنوات الأخيرة، توسعت السلطنة في مد هذه الشبكات لتغطية مناطق جديدة كانت خارج الخدمة مسبقًا، فعلى سبيل المثال، أعلن مسؤولو المياه عن خطط توصيل شبكة المياه إلى قرى نائية في محافظة الظاهرة بعد اكتمال مشروع خط صحار-عبري، بحيث تقل الحاجة للاعتماد على ناقلات المياه أو الآبار المحلية. أضف إلى ذلك أن نظام ناقلات المياه كانت وما تزال تؤدي دورًا في تزويد بعض المناطق الصغيرة أو المساكن البعيدة عن الشبكة، حيث تعبأ المياه من محطات تعبئة الناقلات التابعة لشركة نماء للمياه ويتم نقلها فيما بعد بناقلات مخصصة. بيد أن الجهات التنظيمية وضعت لوائح مشددة لضمان التزام مشغلي الناقلات بمعايير النظافة وسلامة المياه أثناء النقل، وضرورة حصولهم على تصاريح والتزامهم بعقود خدمة موحّدة، فالماء المنقول بالنقلات يخضع للرقابة. كما يُعد جزءً من منظومة التوزيع التي يجب أن توفر مستوى عاليًا من الجودة حتى وإن اختلفت وسيلة النقل.
ولإدارة هذه الشبكة الضخمة والمعقدة، تبنّت سطنة عمان حلولًا تقنية وتنظيمية حديثة، فمن الناحية التقنية، تم إنشاء مركز وطني للتحكم والمراقبة للمياه في محافظة مسقط لمتابعة عمليات ضخ المياه وتدفقها عبر مختلف أنحاء البلاد، وفي هذا المركز، تظهر على الشاشات بيانات لحظية من أجهزة الاستشعار المنتشرة، على سبيل المثال: معدلات التدفق، وضغوط الأنابيب، ومنسوب المياه في الخزانات، ووجود تسربات معينة أو أعطال فنية وتقنية، وقد تم ربط المحطات الرئيسية والشبكات بهذا المركز بحيث يمكن للمشغلين التحكم عن بُعد بفتح وغلق المضخات والصمامات، وضبط التوزيع بين المناطق بحسب الحاجة، وتُسهم هذه الرقابة المركزية في رفع كفاءة الشبكة عبر الاستجابة السريعة لأي مشكلة كتسرب أو كسر خط؛ ما يقلل فاقد المياه المعروف بـ الفاقد غير الإيرادي الذي تعاني منه معظم شبكات المياه عالميًا، وعلى الرغم من عدم نشر أرقام رسمية حديثة لمعدل الفاقد في سلطنة عمان فإن المعدلات الإقليمية[1] بحسب إحصائيات IDRICA( إيدريكا ) تشير أحيانًا إلى ضياع 30-40% من المياه المنتجة بسبب التسربات والعدادات غير الدقيقة والتوصيلات غير المشروعة، ولهذا تركز الإستراتيجيات الوطنية على تحديث البنية الأساسية واستبدال الأنابيب القديمة، وتركيب عدادات ذكية، واستخدام أنظمة كشف التسرب بالصوت والاستشعار عبر طائرارت الدرون وذلك لتقليل الهدر إلى أدنى حد ممكن. كما تستثمر الشركة المزودة للمياه في تعزيز أسطولها وكوادرها الفنية لاكتشاف ومعالجة المشاكل الميدانية بشكل أسرع، إذ إن كل قطرة ماء موفرة تعني موردًا إضافيًا يُمكن توجيهه لمكان آخر محتاج.
وبطبيعة الحال، لا يكفي توفير المياه كمًّا ما لم تكن هذه المياه مضمونة الجودة وصالحة للشرب في كل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية
