ملخص في كتابها "مسامرات الشعب" تبحث الأكاديمية المصرية الأنغلوفونية سماح سليم، الأستاذ في جامعة روتجرز الأميركية، في التغير الذي أحدثه الأدب المترجم عند ظهوره في الدوريات الصحافية، وكذلك في الطرق التي شجعت بها الترجمة إلى العربية أشكالاً جديدة من الإبداع الأدبي ظهرت مع حلول القرن الـ20. صدرت الترجمة العربية للكتاب عن دار ديوان للنشر في القاهرة، وأنجزها القاص والمترجم أمير زكي الحائز جائزة الدولة التشجيعية في الترجمة
يُنظَر الى الصحافة دائماً بوصفها مرآة لتفاعلات شاملة تجمع ما هو سياسي واجتماعي وثقافي، وتخلق ما يُسمى "المجال العام". وفي عالمنا العربي حملت الصحافة منذ ظهورها في القرن الـ19 رايات التغيير، وتبنت قضايا ما سُمي "عصر النهضة". وقد تفاعلت الرؤى الإصلاحية مع الرغبة في التعبير عن أدب له ملامح قومية، وتبنت في تلك الحقبة مطالب الاستقلال الوطني وقضايا تحرر المرأة على نحو واضح.
تؤكد سليم أن واحدة من أبرز سمات المشهد القصصي في الحقبة التي سبقت الميلاد الرسمي لأول رواية عربية هي الوفرة الهائلة في الأعمال المترجمة قبل ظهور رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل في 1914. وترى أن تلك الأعمال لم تُدرس دراسة وافية، فالرواية العربية المبكرة بحسب رؤيتها "كانت صنيعة تداخل بين الاستراتيجيات والأدوات وأنماط الرواج النوعية، فظهرت الرواية الجماهيرية الجديدة عبر تقاطع ممارسة قصدية وماهرة للتجريب الأدبي التوفيقي وتحولات مادية في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك وطرق الصياغة. لقد كان الاقتباس، بحسب قولها، "ميكانيزماً ومجازاً سمح بهذا التحول".
الكتاب بالترجمة العربية (دار ديوان) يمثل هذا الكتاب ثاني لقاءات قراء العربية مع إنتاج سماح سليم، التي أصدر المركز القومي للترجمة ترجمة لكتابها عن "الرواية والخيال الريفي في مصر بين 1880-1985" قبل خمسة أعوام.
مصطلح غامض
تختبر سليم الافتراضات التي أوجدها مفكرون ومؤرخون عرب وأجانب، حول ما سُمي "عصر النهضة"، مؤكدة أن الالتباس في تناول ذلك العصر مرتبط بالمقاربة التي أوجدها المصطلح. وتتمثل قبل كل شيء في غموضه كمصطلح وصفي وخطابي يحمل تاريخاً من الصعب فض تعقيداته نتيجة تزامن النهضة مع اندماج المنطقة العربية كلها في النظام الرأسمالي الاستعماري. وفي هذا السياق ينتقد الكتاب الخطاب الذي يشكل مفهوم النهضة من خلال إزاحة المركزية الأوروبية التي عُدت وسيطاً ضرورياً للتفسير.
يفكك الكتاب الخطاب الذي تبلور تاريخياً حول مفهوم النهضة، معتبراً أن مشروع النخب الإصلاحية للحداثة اعتمد على فهم متناقض لدور الترجمة، يستند إلى التصور المؤسسي الرومانتيكي عن الأصول والنسخ. فقد احتفى هذا الخطاب بالترجمة كمسار للتنوير والاستقلال الوطنيين، وفي الوقت نفسه دانها باعتبارها مصدراً للفوضى والاعتمادية والرجعية. لكن ممارسات الترجمة لم تُبالِ في هذه الحقبة بثنائيات الأصالة والتقاليد القومية. وبحسب الكتاب فقد "جربت أشكالاً راديكالية بتعبير سليم ومعقدة من الاقتباس عطلت هذا الفهم الثنائي وجعلته أكثر غموضاً"
يستخدم الكتاب مفهوم الاقتباس أولاً، لوصف إجراء للكتابة يحرك كلاً من النوع الأدبي وتقاليد واستراتيجيات الترجمة لتشكيل نص بلا مؤلف، ومن ثم نص متحرك. ويستعمل ثانياً كمبدأ للتشكل الثقافي الذي يفكك نظريات الاختلاف ويولي انتباهاً لمادية الثقافة كتكوين اجتماعي وتاريخي.
الناقدة المصرية سماح سليم (دار ديوانن) تُعرّف المؤلفة حقبة النهضة بأنها الأعوام التي شهدت اللقاء الدرامي بين العرب وأوروبا في الربع الأخير من القرن الـ20. بالتزامن مع موجات استعمارية متعاقبة أجهضت بعض محاولات التحديث، ووضعت مثقفي العرب وساستهم تحت ضغط البحث عن حل لمعضلة التعاطي مع هذه الحداثة التي جاءت "ملغومة".
تؤكد سليم أن الإصلاحيين النهضويين أعادوا إنتاج الخطاب الاستشراقي عن العالم العربي/الإسلامي بطرق عديدة، خلال نقدهم الذاتي. وأسهمت مدارس التاريخ القومية المتصارعة، في تكريس مفهوم النهضة على أنه "غاية" لذاتها، مرتكزة في ذلك على انتصار النخب القومية النموذجية. وتضرب مثالاً بما جرى في مصر من تركيز على مفهوم "الشخصية المصرية" المتجانسة إثنياً وثقافياً، وتمحو التكوين الجمعي التاريخي متعدد اللغات في المجتمع المصري.
كبت وتهديد
يرى الكتاب أن خطاب النهضة الإصلاحي، المفعم بالقلق من فقدان الأصالة والسيادة، استهدف كبت أشكال التهديد التي مثلتها التغيرات الاجتماعية على مستوى النظام الاجتماعي المفروض، وذلك من خلال اندماج مصر في بنية النظام الرأسمالي العالمي. وبهذا المعنى لم تصل الحداثة إلى مصر كمشروع جاهز بالفعل، وإنما انبثقت في شكل متزامن وبطرق متصلة، وإن كانت محددة. وخلقت نمطاً تسميه سليم "الحداثة البديلة" أو الحداثة الاستعمارية، التي أسهمت في ترسيخ وضع أوروبا المركزي باعتبارها الأصل.
لكن الترجمة والاقتباس في المقابل، كانا أداتين مهمتين أو ميكانيزمين محللين، تحدى بهما المثقفون والحركات الراديكالية النظام الاجتماعي والسياسي القائم في أوطانهم وخارج أوطانهم أيضاً. لذلك يبحث الكتاب في النصوص والممارسات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
