في مثل هذا اليوم، تستعيد سيرة الكاتب الصحفي الساخر محمود السعدني حضورها، لا بوصفها مجرد ذكرى، بل باعتبارها فصلا حيا من تاريخ الكتابة الساخرة في مصر والعالم العربي؛ فلم يكن لقب "الولد الشقي" عابرا، بل وصفا دقيقا لشخصية متمردة واجهت قسوة الواقع بابتسامة لاذعة، وعبرت عن وجع الناس بلغة بسيطة تصل إلى القلوب قبل العقول؛ وبين سطور حياته، تتجاور الحكاية الشعبية مع الموقف السياسي، لتتحول التجربة الإنسانية إلى سرد نابض بالحياة.
ولد السعدني في 20 نوفمبر 1927 بمحافظة المنوفية، قبل أن ينتقل إلى "حارة سمكة" بالجيزة، حيث تشكل وعيه الأول وسط بيئة شعبية ثرية بالتفاصيل، وهو الشقيق الأكبر للفنان صلاح السعدني، لم تكن طفولته عادية؛ فقد عرفت مبكرا شغف الحكي وروح المشاكسة؛ وفي مسارح الهواة البسيطة مثل "مسرح عبده بكر"، وبين جلسات الأصدقاء ومباريات الكرة في الأراضي الفضاء، بدأت ملامح شخصيته الساخرة تتبلور، خاصة في صحبته للرسام طوغان، حيث كانت الضحكة وسيلتهما لفهم العالم.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تغيرت ملامح الشارع المصري، وامتلأ بالجنود الأجانب، ما ترك أثرا واضحا في وعي السعدني ورفاقه؛ ولم يكتف بالمشاهدة، بل عبر عن رفضه بطريقته الخاصة، من خلال رسوم ساخرة وكتابات بدائية في "صحف حائط" ابتكرها مع أصدقائه، لتصبح تلك المحاولات نواة أسلوبه لاحقا.
لم تكن المدارس وحدها مصدر التعلم، بل لعبت المقاهي الشعبية دورا محوريا في تشكيل شخصيته، وعلى رأسها "قهوة المعلم إبراهيم" في الجيزة، التي كانت ملتقى للناس من مختلف الفئات؛ وهناك تعرف على نماذج إنسانية متنوعة، من بينها ضابط إفريقي ترك أثرا عميقا في وجدانه، فاستلهم منه لاحقا أحد أعماله الأدبية.
في هذه الأجواء، اعتاد التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى حكايات، مستندا إلى ذاكرة حية وقدرة فريدة على الملاحظة، وهي المهارة التي أصبحت أساس كتاباته، ومع الوقت، لم يعد الاكتفاء بالمشاهدة كافيا، فبرزت لديه رغبة المشاركة والتأثير؛ وبنصيحة المقربين، اتجه إلى الصحافة، ليبدأ رحلة طويلة بين المجلات والصحف، حيث تعلم أصول المهنة خطوة بخطوة.
عمل في مجلات متواضعة، ثم في مجلة "الكشكول" التي أصدرها مأمون الشناوي، قبل أن ينتقل للعمل بالقطعة في عدد من الصحف، ما أكسبه خبرة عملية واسعة رغم صعوبة البدايات، حتى جاءت نقطة التحول مع قيام ثورة يوليو 1952، والتحق بجريدة "الجمهورية" التي كانت تمثل صوت المرحلة الجديدة؛ وبدأ اسمه يبرز ككاتب ساخر يمتلك نبرة مختلفة تجمع بين الجرأة وخفة الظل.
انتقل لاحقا إلى مجلة "روز اليوسف"، التي كانت واحدة من أهم المدارس الصحفية، وعمل بها خلال رئاسة إحسان عبد القدوس، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة "صباح الخير"، ليصل إلى موقع متقدم في المشهد الصحفي.
اكتشاف المزيد
أخبار مصر
اشتراك صحيفة
إعلانات مبوبة
تميز السعدني بأسلوب خاص، لم يعتمد على البلاغة التقليدية، بل ابتكر لغة قريبة من.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من موقع مبتدا
