يشكل إدراج مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ضمن الأراضي المغربية في تقرير صادر عن عضو في الكونغرس الأمريكي، تطورا لافتا، أثار موجة من القلق داخل الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا، حيث ينظر إلى هذه الخطوة ليس باعتبارها مجرد موقف فردي، بل كمؤشر محتمل على تحول أعمق في طريقة تعاطي بعض دوائر القرار في واشنطن مع هذا الملف الحساس.
ويكتسب هذا الجدل بعدا إضافيا، بالنظر إلى السياق الدولي الراهن، الذي يتسم بإعادة ترتيب التحالفات وتزايد التنافس الجيوسياسي، ما يجعل أي إشارة من هذا النوع قابلة للتأويل السياسي والاستراتيجي.
وفي هذا السياق، اعتبرت بعض الصحف الإسبانية، من بينها إل باييس ، هذه الإشارات، امتدادا لمسار دبلوماسي تصاعدي عزز موقع المملكة في السنوات الأخيرة، خاصة منذ اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء سنة 2020، وهو القرار الذي شكل نقطة تحول في موازين النقاش الدولي حول القضايا الترابية للمملكة.
أما في إسبانيا، فإن هذا الطرح يثير حساسية خاصة، نظرا للطبيعة السياسية التي تعتبر بها مدريد المدينتين جزءا لا يتجزأ من سيادتها الوطنية، حيث ينظر إلى أي توصيف خارجي يربطهما بالمغرب على أنه مساس بوحدة التراب الإسباني، حتى وإن جاء في سياق تقرير غير ملزم.
وتزداد هذه المخاوف في ظل التوترات التي طبعت العلاقات بين حكومة بيدرو سانشيز وبعض دوائر القرار الأمريكية، ما يفتح المجال أمام تأويلات تربط بين الموقف الجديد والضغوط السياسية المتبادلة.
وفي هذا الصدد، اعتبرت الصحيفة أن الجدل الحالي لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في منطقة غرب المتوسط، مشيرة إلى أن المغرب أصبح شريكا محوريا للولايات المتحدة في قضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والتوازنات الإقليمية في إفريقيا.
هذا الدور، يضيف التقرير، يمنح المملكة وزنا تفاوضيا متزايدا، ويجعل من دعمها أو التقارب معها خيارا استراتيجيا بالنسبة لواشنطن، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على مواقف بعض الفاعلين داخل المؤسسات الأمريكية تجاه ملفات عالقة تاريخيا.
وتبرز أهمية التوقيت، أيضا، إذ يأتي هذا الجدل في لحظة تشهد فيها العلاقات المغربية الأمريكية تقاربا متسارعا، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، مقابل فتور نسبي في العلاقات بين واشنطن ومدريد في بعض الملفات.
هذا التباين يغذي فرضية أن المواقف الصادرة عن بعض أعضاء الكونغرس، قد تعكس، ولو جزئيا، إعادة تموقع في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم منح شركاء إقليميين مثل المغرب دورا أكبر في معادلة الاستقرار الإقليمي.
في المحصلة، لا يبدو أن تقريرا واحدا كفيل بإحداث تحول جذري في وضع سبتة ومليلية المحتلتين على المدى القريب، لكنه يكشف عن دينامية جديدة في الخطاب السياسي الدولي حول المدينتين، ويعكس في الوقت ذاته تزايد تداخل الملفات الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
