كان حلمها في أن تصبح فنانة تغني أمام الجمهور، طموحا مشروعا لم يكن يتطلب سوى عزيمة صلبة وقدرة على الموازنة بين الدراسة وشغف الغناء وهو ما تحقق بالفعل حين حصلت على دبلوم في الدراسات العليا المعمقة في مادة القانون، والتحقت بمهنة المحاماة.
إنها الأستاذة عواطف فجاج، ابنة مدينة طنجة، التي اختارت أن تنسج مسارها بين جدية المهنة ودفء الشغف الفني. فإلى جانب انخراطها في مهنة المحاماة، شق صوتها طريقه بهدوء وثبات، ليحضر في العديد من المناسبات التي ينظمها أصحاب البذلات السوداء، حيث يلتقي القانون بالفن في لحظات إنسانية دافئة.
ولم يقتصر تألقها على هذا الفضاء، بل امتد إلى تظاهرات فنية ذات بعد اجتماعي وإنساني، من خلال مشاركاتها في حفلات لجمع التبرعات لفائدة الجمعيات الخيرية، فضلا عن تقديمها وصلات غنائية راقية خلال افتتاح المؤتمر السنوي لهيئة محامي طنجة، تستحضر من خلالها زمن الطرب الأصيل وتمنح الحضور فسحة من الجمال..
ولم يأت اختيارها لهذا اللون الغنائي الراقي من فراغ، بل هو نتيجة ذوق راسخ في الوجدان؛ فمنذ سنواتها الأولى، أبدت شغفا واضحا بالموسيقى، حيث كانت تشارك في الأنشطة المدرسية بخامة صوتها المتميزة وبإحساسها العميق، ومع مرور الوقت، بدأ هذا الشغف يتحول إلى مسار فني، يتغذى من الاستماع المستمر لكبار رواد الطرب العربي، مع سعيها إلى أداء أعمالهم بروح خاصة.
والفضل في ذلك يعود إلى وسط عائلي يهتم بالثقافة والفن، ويحرص على تنشئة الذوق الرفيع، إذ كان والدها مندوبا لوزارة التعليم بمدينة طنجة، ما أتاح لها الانفتاح المبكر على عوالم المعرفة والفنون، ومكنها من الجمع بين التحصيل الأكاديمي وميلها الفطري إلى الغناء.
وخلال مسار حافل بالعطاء، استطاعت عواطف فجاج نسج تجربة متفردة، تجمع بين صرامة المهنة ونفس الإبداع، مؤكدة في تصريح إعلامي أن الفن يمكن أن يكون رفيقا للحياة المهنية، لا نقيضا لها.
تتنقل الأستاذة عواطف من مكتب المحاماة إلى الأستوديو، موزعة وقتها على الاشتغال بملفات المواطنين بما تقتضيه من تركيز ومسؤولية، والتمرن على الصوت وضبط المقامات بروح فنانة تواصل أداء أعمال خالدة لعمالقة الطرب العربي، مستحضرة بإحساسها المرهف إرثا فنيا غنيا، من كوكب الشرق أم كلثوم، محمد عبد الوهاب إلى فيروز وغيرهم.
ولا تكتفي عواطف فجاج بإحياء التراث الغنائي من خلال الأداء، بل تحرص أيضا على تطوير أدواتها الفنية عبر التمرين المستمر، مع الحفاظ على خصوصيتها الصوتية وأسلوبها المتفرد. كما لا تقتصر على الغناء خلف الميكروفون، بل تنخرط في نقل هذا الشغف إلى الأجيال الصاعدة، من خلال تنظيم ورشات لفائدة الأطفال الراغبين في تعلم أبجديات الطرب العربي، سواء داخل أستوديو صوت الفن الذي تملكه بأحد شوارع مدينة البوغاز، أو بـ دار الآلة الذي يشرف عليه الأستاذ أحمد كنون بالمدينة ذاتها.
ولعل ما يميز تجربتها أيضا هو هذا الإصرار على كسر الصورة النمطية التي تفصل بين الصرامة المهنية والميول الفنية.
وتبقى شخصية الفنانة عواطف فجاج نموذجا لامرأة استطاعت أن تتحدى كل الإكراهات التي تمليها مهنة المحاماة، وأن تبني لنفسها مسارا فنيا مفعما بالحب والتتيم، إذ تعتبر أن الفن لا يتعارض مع الجدية، بل يكملها ويمنحها بعدا إنسانيا أعمق، لذلك لم تتردد في جعل صوتها حاضرا في مناسبات متعددة، وهي تؤمن بأن الغناء رسالة لا تقل نبلا عن مهنة الدفاع.
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية



