كثيراً ما يثير مشهد الدراويش وهم يدورون في حلقات منتظمة خلال الطقوس الصوفية فضول المتابعين، سواء في العالم الإسلامي أو خارجه، إذ يبدو هذا السلوك أقرب إلى أداء رمزي عميق منه إلى حركة عادية.
غير أن هذا الدوران ليس فعلاً عشوائيا أو استعراضيا، بل يرتبط بجذور فكرية وروحية داخل التصوف الإسلامي، وبشكل خاص في التجربة المولوية التي ارتبطت بجلال الدين الرومي وتأثرت بشكل مباشر بالمعلم الروحي شمس الدين التبريزي.
ففي الرؤية الصوفية، لا يُفهم الدوران على أنه حركة جسدية، بل يمتد الى تعبير رمزي عن حركة الكون نفسه، حيث تدور الكواكب والأجرام السماوية في نظام دقيق، يرمز في نظر المتصوفة، الى انسجام كوني بين البشر وما حوله.
حيث يصبح دوران الدراويش محاولة رمزية لمحاكاة هذا النظام الكوني، في حالة من التأمل والاندماج الروحي، في سعيد المريد إلى التحرر من ثقل المادة والاقتراب من حالة الصفاء الداخلي.
كما يرتبط هذا الطقس بما يُعرف في التصوف بالسماع، وهو حالة روحية تقوم على الذكر، وتُرافقها حركات جسدية تُعبّر عن الوجد والانجذاب الروحي. خاصة في الطريقة المولوية تحديداً، التي نشأت في الأناضول، لتطور هذا الشكل من التعبد ليأخذ طابعاً منظماً، حيث يدور الدراويش في حركات متناسقة ترمز إلى رحلة الإنسان من الكثرة إلى الوحدة، أي من العالم المادي إلى المعنى الروحي الأعلى.
ولا يمكن فهم هذا البعد دون الإشارة إلى التأثير العميق لشمس الدين التبريزي في حياة جلال الدين الرومي، إذ شكّل لقاؤهما نقطة تحول جعلت الرومي ينتقل من خطاب علمي تقليدي إلى تجربة روحية قائمة على معرفة الله.
ورغم هذا العمق الرمزي، فإن الصورة التي تصل أحياناً إلى الجمهور العام تبقى مرتبطة بالجانب الاحتفالي، في حين أن الطقوس تتجاوز الشكل إلى مضمون روحي وفلسفي يقوم على البحث عن الحقيقة الداخلية للإنسان على حد تعبيرهم.
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية
