لماذا صمدت أسواق ناشئة وانهارت أخرى أمام الصدمات؟ «موديز» تجيب

حافظت الأسواق الناشئة الكبرى على استقرار نسبي في كلفة التمويل واستمرار الوصول إلى الأسواق العالمية رغم تعرضها لسلسلة من الصدمات منذ 2020، دون تسجيل ارتفاعات حادة ومستمرة في علاوات المخاطر السيادية، في وقت تكشف فيه البيانات عن اتساع واضح في فجوة الصمود بين الدول.

وبحسب تقرير حديث صادر عن وكالة «موديز» (Moody's) للتصنيف الائتماني، يرتبط هذا الأداء بعمق الإصلاحات الهيكلية التي نُفذت بشكل استباقي، إلى جانب بناء احتياطيات ومصدات مالية قبل فترات الاضطراب. في المقابل، تظهر المؤشرات تبايناً متزايداً في قدرة الاقتصادات الناشئة على امتصاص الصدمات، تبعاً لتوقيت وجودة السياسات الاقتصادية المعتمدة.

ووفق البيانات، ساهمت الظروف الخارجية الداعمة نسبياً في احتواء الضغوط المالية خلال موجات الصدمات المتعاقبة، التي شملت جائحة «كوفيد-19»، ودورة التشديد النقدي السريعة بقيادة الاحتياطي الفيدرالي، وأزمات مصرفية إقليمية، إضافة إلى تصاعد التوترات التجارية. وانتقلت هذه الضغوط بشكل أساسي عبر تعديل مستويات العائد، بدلاً من تحولها إلى إعادة تسعير ائتماني ممتد أو فقدان القدرة على التمويل.

موديز تعدل نظرتها المستقبلية للصين من سلبية إلى مستقرة

ثلاث فئات تكشف الفجوة في قدرة امتصاص الصدمات

تكشف مؤشرات السوق التي اعتمدتها «موديز» عن تباين واضح في أداء الأسواق الناشئة، مع بروز مجموعة من الاقتصادات التي تمكنت من احتواء الضغوط ضمن نطاقات محدودة.

وضمت هذه الفئة دولاً مثل ماليزيا المصنفة عند «A3» مع نظرة مستقرة، والهند عند «Baa3»، إلى جانب تايلاند «Baa1» وإندونيسيا والمكسيك «Baa2»، حيث سجلت هذه الاقتصادات تراجعاً محدوداً ومؤقتاً في هوامش الائتمان، وتقلبات مضبوطة في أسعار الصرف وفروق العوائد مقارنة بالسندات الأميركية.

وتشير البيانات إلى أن التصحيح في هذه الأسواق تم عبر قنوات التسعير، حيث بقيت تقلبات عوائد العملة المحلية ضمن نطاقات يمكن التنبؤ بها، ما يعكس غياب ضغوط تمويلية حادة أو اختلالات هيكلية ممتدة.

في المقابل، أظهرت اقتصادات مثل البرازيل «Ba1» وجنوب إفريقيا «Ba2» قدرة على الحفاظ على الوصول إلى الأسواق وتجنب أزمات ائتمانية ممتدة، إلا أن هذا الصمود جاء مصحوباً بتقلبات أعلى، خصوصاً في أسعار الصرف والعوائد خلال فترات الذروة.

وتوضح البيانات أن عملية التكيف في هذه الدول كانت أكثر كلفة وأقل سلاسة، في ظل حساسيتها المرتفعة لدورات الفائدة العالمية وتقلبات أسواق السلع، ما يفرض ضغوطاً إضافية على استقرارها المالي في الأجل القصير.

أما الفئة الأكثر هشاشة، والتي تضم تركيا «Ba3» والأرجنتين «Caa1» ونيجيريا «B3»، فقد سجلت ضغوطاً تمويلية متكررة، تمثلت في اتساع مستمر لهوامش الائتمان وتراجعات حادة في العملات المحلية.

ويعكس استمرار التقلبات المرتفعة خارج فترات الأزمات وجود اختلالات هيكلية أعمق، تشمل ضعف مصداقية السياسات الاقتصادية وقيوداً على الميزانيات، ما يحد من قدرة هذه الاقتصادات على تحقيق استقرار مستدام.

موظف يحصي عملات اليوان في بنك كاسيكورن - بانكوك

استهداف التضخم ومرونة الصرف.. درع الأسواق الناشئة

أظهرت البيانات أن قوة أطر السياسة النقدية، ولا سيما تبني استراتيجيات استهداف التضخم، لعبت دوراً محورياً في تثبيت توقعات الأسواق والحد من تقلب تدفقات النقد الأجنبي.

وفي البرازيل والمكسيك، سمحت هذه الأطر للبنوك المركزية بخفض أسعار الفائدة بشكل حاسم خلال العام 2020 دون التسبب في تدفقات رأسمالية خارجة، قبل أن تتجه لاحقاً إلى تشديد السياسة النقدية بوتيرة سريعة مع تصاعد الضغوط التضخمية، ما ساهم في احتواء الآثار الثانوية والحفاظ على ثقة المستثمرين.

كما عزز اعتماد الهند إطار استهداف التضخم منذ العام 2016 قدرتها على التعامل مع موجات التضخم الأخيرة بكفاءة أعلى، من خلال تثبيت توقعات الأسعار وتقليل تقلبات السوق.

في موازاة ذلك، برزت مرونة أسعار الصرف كأداة رئيسية لامتصاص الصدمات الخارجية، إذ أتاحت تمرير الضغوط عبر العملة بدلاً من استنزاف الاحتياطيات أو اللجوء إلى تشديد نقدي حاد.

وفي دول مثل جنوب إفريقيا والبرازيل وإندونيسيا، ساهم السماح بتقلبات العملة في الحفاظ على مساحة مناورة أوسع للسياسات الاقتصادية، رغم ما يرافق ذلك من تقلبات قصيرة الأجل في أسعار الصرف.

كما لعبت الاحتياطيات الأجنبية دوراً حاسماً في دعم الاستقرار، حيث دخلت اقتصادات مثل الهند وتايلاند وإندونيسيا فترات التوتر وهي تمتلك مصدات خارجية قوية، ما ساعد في تهدئة اضطرابات أسواق العملات وتعزيز الثقة الائتمانية.

الانضباط المالي وإدارة الدين يُعيدان رسم خريطة المخاطر

شكلت كفاءة السياسات المالية وإدارة الدين السيادي عاملاً أساسياً في دعم قدرة الأسواق الناشئة على مواجهة الصدمات، إذ أكدت البيانات أن الدول التي تمتلك مساحة مالية أوسع كانت أكثر قدرة على التدخل خلال فترات التوتر والحفاظ على ثقة المستثمرين.

وفي هذا السياق، يدعم تبني الأرجنتين مرتكزاً مالياً يستهدف تحقيق توازن في الموازنة منذ العام 2023 مسار تحسين الاستقرار مستقبلاً، رغم استمرار التحديات الهيكلية. كما تعمل ماليزيا، من خلال قانون المسؤولية المالية لعام 2023، على تثبيت مسار الانضباط المالي عبر وضع سقوف ملزمة للعجز والدين، بالتوازي مع إعادة توجيه الإنفاق نحو فئات أكثر استهدافاً.

على صعيد إدارة الدين، نجحت الهند وجنوب إفريقيا في إطالة متوسط آجال استحقاق ديونهما، ما قلل من مخاطر إعادة التمويل خلال فترات اضطراب الأسواق العالمية.

كما ساهم الاعتماد الأكبر على أسواق الدين المحلية في تقليص حساسية هذه الاقتصادات لتقلبات التمويل الخارجي، حيث خفّضت دول مثل الهند والمكسيك والبرازيل اعتمادها على الإصدارات بالعملات الأجنبية.

غير أن هذا التوجه يفرض مفاضلة هيكلية بين تقليص المخاطر الخارجية وزيادة تركّز الضغوط داخلياً، خصوصاً عبر الإبقاء على مستويات فائدة أعلى نسبياً.

تراجع أصول الأسواق الناشئة بفعل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

الإصلاح الاستباقي.. الخط الفاصل بين الاستدامة والأزمة

تؤكد تحليلات «موديز» أن استدامة المرونة في الأسواق الناشئة ترتبط بشكل مباشر بالتبني المبكر للإصلاحات الهيكلية وبناء مصدات مالية كافية قبل فترات الاضطراب.

وتشير البيانات إلى أن الهند وتايلاند من بين الأكثر استعداداً لمواجهة الصدمات المستقبلية، في ظل أطر نقدية واضحة وقابلة للتنبؤ، وتوقعات تضخم مستقرة، إلى جانب مرونة أسعار الصرف وتوافر احتياطيات قوية تدعم استقرار الأسواق خلال فترات التوتر.

على النقيض، تبقى اقتصادات مثل نيجيريا وتركيا والأرجنتين أكثر عرضة لتقلبات حادة، نتيجة تأخر أو عدم اكتمال مسار الإصلاحات، ما يزيد من مخاطر تآكل المصدات وتسارع الضغوط التضخمية عند تدهور الظروف الخارجية.

وتظهر ذات البيانات إلى أن مرونة هذه الفئة تظل مشروطة بتحسن البيئة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك وفرة السيولة واستقرار تدفقات رأس المال، ما يجعلها أكثر عرضة لانعكاسات أي تشديد مالي عالمي.

وفي المحصلة، لم يعد التفاوت بين الأسواق الناشئة ظرفياً، بل يعكس إعادة تسعير هيكلية لجودة السياسات الاقتصادية، ما يعيد توجيه تدفقات الاستثمار نحو الاقتصادات الأكثر استقراراً، ويرفع كلفة التمويل على الدول الأضعف خلال المرحلة المقبلة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 49 دقيقة
منذ 13 دقيقة
منذ 11 ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة