برحيل المخرج والممثل المغربي نبيل لحلو، لا تستعيد الساحة الفنية فقط مسار فنان استثنائي، بل تعود معها أيضا أعمال سينمائية ظلت لعقود تثير النقاش والجدل داخل الأوساط الثقافية والسينمائية المغربية، وفي مقدمتها فيلمه الشهير الحاكم العام لجزيرة شاكرباكربن الصادر سنة 1980، والذي يعتبره كثير من النقاد واحدا من أكثر الأعمال جرأة وغموضا وتأويلا في تاريخ السينما المغربية.
الفيلم لم يكن مجرد تجربة سينمائية عابرة، بل شكل منذ لحظاته الأولى صدمة فنية وجمالية كسرت القوالب التقليدية للسرد السينمائي، ودفعت المتلقي إلى مواجهة أسئلة معقدة حول السلطة والهوية والواقع والخيال، داخل عمل اختار أن يسبح عكس التيار في زمن كانت فيه السينما المغربية تبحث عن لغة بصرية أكثر قربا من الجمهور.
وانطلق الفيلم من حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، قبل أن تتحول تدريجيا إلى متاهة نفسية وفكرية تتداخل فيها الرموز السياسية بالتأملات الوجودية، من خلال شخصية الغربي ، الموظف البسيط الذي يعثر على برقية غامضة تدعوه إلى جزيرة بعيدة تدعى شاكرباكربن ، حيث يجد نفسه منجذبا إلى عالم تتقاطع فيه الحقيقة بالوهم، والسلطة بالخوف، والإنسان بأسئلته الداخلية العميقة.
واعتبر متابعون أن قوة الفيلم لم تكن فقط في قصته، بل في الطريقة التي اختار بها نبيل لحلو تقديم عالمه السينمائي، عبر لغة بصرية متكسرة ومشاهد غير مألوفة وحوار يحمل أكثر من معنى، ما جعل العمل مفتوحا على قراءات وتأويلات متعددة، بين من اعتبره نقدا سياسيا مبطنا، ومن رآه رحلة فلسفية في عبث السلطة وعزلة الإنسان.
كما أثار أداء الممثلين داخل الفيلم نقاشا واسعا، بسبب اعتماد نبيل لحلو على أسلوب تمثيل غير تقليدي، يقوم على التوتر النفسي والارتجال والإيحاء أكثر من الأداء الكلاسيكي المباشر، وهو ما منح الشخصيات بعدا غامضا زاد من قوة الفيلم وهيبته الفنية.
ولم يكن الحاكم العام لجزيرة شاكرباكربن عملا جماهيريا بالمعنى التجاري، لكنه تحول مع مرور السنوات إلى فيلم كالت داخل الذاكرة السينمائية المغربية، وأصبح مرجعا أساسيا لكل المهتمين بالسينما التجريبية والفكرية بالمغرب، بالنظر إلى جرأته البصرية وقدرته على مساءلة الواقع بلغة رمزية غير مألوفة.
ويجمع عدد من النقاد على أن نبيل لحلو، من خلال هذا العمل، لم يكن يسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل كان يراهن على خلق حالة من القلق الفني والتأمل لدى المشاهد، وهي المقاربة التي جعلت الفيلم يظل حاضرا في النقاش السينمائي والثقافي حتى بعد أكثر من أربعة عقود على إنتاجه.
وبرحيل نبيل لحلو، تعود الأضواء مجددا إلى هذا الفيلم الذي اختار منذ البداية أن يكون مختلفا، وأن يكتب اسمه كواحد من أكثر الأعمال السينمائية المغربية إثارة للأسئلة والجدل والتأويل.
هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء المغربية
