إدمون عمران المالح: مغربي بقلب فلسطيني

في حضرة التاريخ الثقافي للمغرب الحديث، يتبدى اسم إدمون عمران المالح (1917 - 2010) لا كأديب خط ببراعة حكايات عابرة، بل كأيقونة حضارية ومنارة فلسفية استثنائية.. إنه الحكيم الذي استطاع أن يختزل في ملامحه وتجاعيد فكره صراعات القرن العشرين، صاهرا في وجدانه هويات قد تبدو للناظر السطحي متنافرة، لكنها كانت في أعماقه نهرا واحدا يتدفق بماء الأصالة والوفاء.. هو الذي اجتمعت فيه فرادة التكوين: يهودي العقيدة، أمازيغي الجذور، عربي الوجدان، مغربي الهوية، وكونوي النضال.. فكان بذلك تجسيدا حيا لمغرب «متعدد في وحدة، وواحد في تعدد».

بزغت شمس المالح في «آسفي» الأطلسية، تلك المدينة التي لم تكن مجرد حيز جغرافي، بل كانت مختبرا عريقا للتعايش الإنساني، ونقطة تلاق تجاري وثقافي صهرت بين جناحيها المغاربة بمختلف مشاربهم. نشأ المالح في كنف عائلة يهودية تتحدر من أصول أمازيغية ضاربة في القدم (قبيلة آيت عمران في سوس)، وهو ما رسخ لديه شعورا عميقا بالتجذر في التربة المغربية، شعورا يسبق في قدمه وصول أي وافد أو مستعمر.

كانت طفولته سيمفونية من أصوات متداخلة.. فبين ترانيم «البيعة» العبرية وأصوات المآذن التي تعانق سماء المدينة، تشكل وعيه الأول. كانت «الدارجة» المغربية هي لسان حاله في البيت والزقاق، بينما كانت اللغة الفرنسية نافذة فرضها السياق الاستعماري. ولم تكن نشأته في «الملاح» (الحي اليهودي) تجربة انغلاق أو عزل، بل كانت انصهارا وجدانيا، حيث كان الجار المسلم يتقاسم مع جاره اليهودي رغيف الخبز والمسرات والأوجاع.

لم تكن ذاكرة «الملاح» مجرد حنين، بل غدت حصنا منيعا ضد النسيان، لم تنجح عقود المنفى في زعزعته.

المناضل الشرس والانفجار الأدبي

لم يرتض المالح لنفسه أن يكون مثقفا يعيش في صومعة من عاج، بل انغمس في أتون النضال الميداني، فانخرط في صفوف الحزب الشيوعي المغربي منذ الأربعينيات من القرن الفائت.. كان مدفوعا بإيمان لا يتزعزع بأن التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي هو الفريضة الوطنية الأولى التي تذوب أمامها الفوارق الدينية.. وبفضل حسه النقدي وثقافته الموسوعية، تدرج في المراتب حتى صار عضوا فاعلا في المكتب السياسي، مخلفا وراءه إرثا من العمل السياسي الذي لا يهادن.

بيد أن المنعطف الدرامي في حياته تجسد في انتفاضة مارس 1965 في الدار البيضاء، إذ شكل القمع الذي طال المتظاهرين والمثقفين شرخا في حلمه بمغرب ديمقراطي بعد الاستقلال... وأمام انسداد الأفق، لم يجد المالح بدا من اختيار المنفى الطوعي في فرنسا في العام 1965، حاملا معه جراحه السياسية وخيباته، من دون أن يفرط في ذرة من مبادئه الأخلاقية.

عاش المالح في باريس أكثر من ثلاثة عقود، عمل خلالها أستاذا للفلسفة وصحافيا في «لوموند»، لكنه ظل غريبا عن «البرجزة» الباريسية، محتفظا بـ«مغربيته» كدرع واق. وفي سن الثالثة والستين، حين يميل الآخرون للسكون، فجر المليح ثورته الأدبية المتأخرة بنشر روايته الأولى «المجرى الثابت» (1980).

لم يكن هذا التأخر نضوبا، بل كان نضجا اختمر على نار هادئة. لقد أجرى المالح عملية «جراحية» مذهلة للغة الفرنسية.. فلم يكتب بها كأداة للتبعية، بل حطم قوالبها الكلاسيكية وحقنها بإيقاعات «الدارجة» المغربية ونفس الروح العربية... كان يكتب بفرنسية «يسكنها» المغرب، فخرجت نصوصه للفرنسيين كغريب مدهش، وللمغاربة كصوت حميمي قادم من أعماق الذاكرة الجماعية. توالت بعدها أعماله كشهادات حية: «ألف عام بيوم واحد»، «عودة أبو الحكي»، و«حقيبة سيدي معاشو»... وكلها دارت في فلك البحث عن الإنسان المغربي في تعدديته وجماله الصرف. فلسطين قضيته الوجودية

في المشهد الثقافي العالمي، قد يتخذ البعض من فلسطين موقفا سياسيا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 13 ساعة
صحيفة عاجل منذ 5 ساعات
اليوم - السعودية منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 11 ساعة
اليوم - السعودية منذ 7 ساعات
صحيفة سبق منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعتين