مفهوم الحاكمية بين النص الديني والاجتهاد السياسي

د. غيث هاني القضاة* تُعدّ فكرة "الحاكمية" من أكثر المفاهيم التي أثارت جدلا واسعا في الفكر الإسلامي السياسي الحديث، لا بسبب حضورها في الخطاب الديني فحسب، بل بسبب ما ترتب عليها من نتائج فكرية وسياسية خطيرة، خصوصاً حين جرى استخدامها لإقامة تعارض مفتعل بين سلطة الله وسلطة الأمة، أو بين المرجعية الإسلامية ومبدأ أن الشعب مصدر السلطات.ويبدو أن أول ظهور سياسي حاد لفكرة "الحاكمية لله" يعود إلى الخوارج، حين اعترضوا على التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما بعد معركة صفين؛ فقد رأى الخوارج أن قبول التحكيم البشري خروج عن النص القرآني الذي فهموه من قوله تعالى: "إن الحكم إلا لله". ومن هنا جاء تعليق الإمام علي الشهير على موقفهم: "كلمة حق أُريد بها باطل"، إذ إنهم حملوا نصا دينيا على واقعة سياسية بشرية قابلة للاجتهاد، ثم أرادوا أن يفرضوا فهمهم الخاص بوصفه التعبير الوحيد عن إرادة الله!

وتقوم نظرية الحاكمية، كما شاعت في بعض الأدبيات المعاصرة، على أن السلطان السياسي في المجتمع ليس حقاً من حقوق الناس، لأن الحاكم الحقي هو الله سبحانه وتعالى. وبناء على ذلك، يرفض أصحاب هذه النظرية القول بأن الأمة مصدر السلطات، كما تنص الدساتير الحديثة، ويذهب بعضهم إلى أن الديمقراطية تتعارض جوهريا مع الإسلام، لأنها -بحسب تصورهم- تعني حكم الشعب للشعب، بينما السلطة في الإسلام لله وحده.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الطرح مقنعا؛ فمن يجرؤ على منازعة حق الله أو الاعتراض على حكمه؟ لكن الإشكال الحقي لا يكمن في الإقرار بمرجعية الله العليا، وإنما في تحويل هذا الإقرار إلى أداة لنزع السلطة من الناس، وإعطائها لجهة بشرية تدّعي أنها تنطق باسم الله أو تطبق حكمه بصورة نهائية لا تقبل المراجعة أو المحاسبة. ولقد اشتق أصحاب هذا التصور مصطلح "الحاكمية" من لفظ "الحُكم" الوارد في القرآن الكريم، ظانين أن المقصود به هو السلطة السياسية العليا بالمعنى المعاصر. غير أن الاستعمال القرآني لهذا اللفظ جاء في أغلب مواضعه بمعنى القضاء والفصل بين الناس، أو بمعنى العلم والفقه والحكمة، لا بمعنى نظام الحكم السياسي؛ فنبي الله يحيى عليه السلام آتاه الله الحُكم صبياً، ولم يكن صاحب دولة، وكذلك المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام آتاه الله الحُكم، ولم يكن له سلطان سياسي بالمعنى المعروف.

ومن المهم أن نعلم أن الله تعالى عندما خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا"؛ كان المقصود بالحكم هنا هو القضاء بين المتخاصمين، لا إقامة نظرية سياسية تجعل الحاكم وكيلاً عن الله في الأرض، أو تمنح فعله السياسي قداسة مستمدة من قداسة النص.

لكن من أكثر الآيات التي استُخدمت لتأكيد مقولة الحاكمية هي تلك الآيات الواردة في سورة المائدة: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، و"فأولئك هم الظالمون"، و"فأولئك هم الفاسقون". غير أن الاستدلال بهذه الآيات كثيرا ما يتم بمعزل عن أسباب النزول والسياق العام؛ فقد ذهب جمهور من المفسرين، ومنهم الطبري والزمخشري والقرطبي، إلى أن هذه الآيات نزلت في قوم من أهل الكتاب، وأن الخطاب فيها متعلق بسياق قضائي خاص، لا ببناء نظرية سياسية عامة تُكفّر المجتمعات أو الأنظمة لأنها لم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 21 ساعة
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 13 ساعة
خبرني منذ 4 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
صحيفة الغد الأردنية منذ 6 ساعات
خبرني منذ 10 ساعات
خبرني منذ 21 ساعة