لم تكن الزاوية القادرية البودشيشية، عبر تاريخها، مجرد فضاء روحي معزول عن التحولات السياسية والدينية التي عرفها المغرب، بل شكلت إحدى أهم القلاع الصوفية المرتبطة بالثوابت الدينية للمملكة، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين باعتبارها المرجعية الضامنة لوحدة الحقل الديني المغربي.
ولهذا السبب بالذات، ظلت جماعة العدل والإحسان المحظورة تنظر إلى الزاوية البودشيشية كهدف استراتيجي بالغ الأهمية، بالنظر إلى امتدادها الروحي وشبكاتها الاجتماعية وتأثيرها داخل المغرب وخارجه. فالجماعة التي أسسها عبد السلام ياسين لم تخف يوما طموحها إلى اختراق الفضاءات الدينية المؤثرة، ضمن مشروعها القائم على بناء نفوذ موازٍ للدولة ومؤسساتها.
وخلال عهد الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، كان هذا التغلغل يصطدم، وفق متابعين للشأن الصوفي، بجدار صلب من الرفض والحذر. فالراحل حمزة بودشيش كان يدرك طبيعة مشروع الجماعة وخلفياته السياسية، لذلك حرص على إبقاء الزاوية بعيدة عن أي اختراق تنظيمي أو توظيف إيديولوجي، محافظا على خطها التاريخي القائم على التربية الروحية والالتزام بثوابت الدولة المغربية.
اختراق هادئ بنفس طويل
غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجيا بعد وفاة الشيخ حمزة القادري بودشيش، حيث تتحدث قراءات متقاطعة عن نجاح جماعة العدل والإحسان في التسلل بهدوء إلى محيط الزاوية، مستفيدة من فراغات داخلية وصراعات النفوذ التي ظهرت لاحقا.
فالجماعة، المعروفة بمنهجها القائم على التغلغل الناعم داخل المؤسسات والفضاءات الاجتماعية والدينية، لا تعتمد المواجهة المباشرة بقدر ما تراهن على التموقع التدريجي وبناء شبكات التأثير من الداخل، وهو ما يرى مراقبون أنه حدث بالفعل داخل بعض دوائر الزاوية البودشيشية خلال السنوات الأخيرة.
وتشير هذه القراءات إلى أن شخصيات قريبة من الجماعة أو متعاطفة مع خطابها بدأت تحظى بحضور متزايد داخل محيط القرار والتأثير، في وقت بدأت فيه ملامح تغيير واضحة تطبع أسلوب التدبير والخطاب والتنظيم داخل الطريقة.
منير القادري.. الرجل الذي فتح الباب لاختراق الزاوية؟
وفي قلب هذا الجدل المتصاعد، يبرز اسم منير القادري بودشيش باعتباره، في نظر عدد من المتابعين للشأن الديني والصوفي بالمغرب، الشخصية التي تحولت من مجرد فاعل داخل الزاوية إلى بوابة حقيقية سمحت لجماعة العدل والإحسان بالتغلغل التدريجي داخل واحدة من أكثر المؤسسات الروحية حساسية بالمملكة.
فمنتقدو منير القادري لا يتحدثون اليوم عن مجرد انفتاح أو تقارب عابر مع بعض الوجوه المحسوبة على الجماعة، بل عن مسار متكامل (وفق توصيفهم) أدى إلى إعادة تشكيل مراكز التأثير داخل الزاوية بطريقة تخدم مشروعا تنظيميا قريبا من الذهنية التي قامت عليها جماعة عبد السلام ياسين.
ويعتبر هؤلاء أن أخطر ما قام به منير القادري لم يكن فقط فتح المجال أمام شخصيات معروفة بقربها الفكري أو التنظيمي من العدل والإحسان، بل تحويل بنية الزاوية نفسها إلى فضاء قابل للاختراق وإعادة التوجيه، عبر إضعاف الخط التاريخي الذي كان يمثله الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، والقائم على حماية الزاوية من أي اختراق سياسي أو تنظيمي.
من التصوف إلى التنظيم المغلق
وبحسب قراءات غاضبة داخل محيط الزاوية، فإن ما يجري اليوم لم يعد يشبه تقاليد التصوف المغربي التي تقوم على التربية الروحية والانفتاح والارتباط بثوابت الدولة، بل بات أقرب إلى منطق الجهاز التنظيمي المغلق الذي تعتمد عليه جماعة العدل والإحسان.
ويتحدث متابعون عن ممارسات يرون أنها دخيلة على المدرسة البودشيشية، من قبيل صناعة مراكز ولاء داخلية، ومحاولة التحكم في دواليب القرار الروحي والتنظيمي، وتهميش الأصوات المعارضة، وإعادة ترتيب المحيط القيادي وفق معيار الولاء بدل الامتداد الروحي والعلمي الذي كانت الزاوية تعتمد عليه تاريخيا.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات لم تأت بشكل عفوي، بل جاءت نتيجة سياسة ممنهجة سمحت للجماعة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالتموقع داخل مفاصل حساسة، مستفيدة من حالة الصراع التي فتحت حول المشيخة بعد وفاة الشيخ حمزة القادري بودشيش.
إعادة إنتاج لأسلوب العدل والإحسان
والأخطر، بحسب محللين، هو أن طريقة تدبير منير القادري للأزمة الداخلية داخل الزاوية باتت تعكس (بشكل يكاد يكون حرفيا) أسلوب جماعة العدل والإحسان في إدارة النفوذ والصراع.
فمنطق الاصطفاف الداخلي، وصناعة المريد التنظيمي بدل المريد الروحي ، واعتماد خطاب تعبوي قائم على التخندق والانقسام، كلها مؤشرات يعتبرها متابعون دليلا على أن الزاوية بدأت تفقد تدريجيا هويتها الصوفية التقليدية لصالح عقلية تنظيمية مؤدلجة.
بل إن بعض الأصوات المنتقدة تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن حالة العناد التي يظهرها منير القادري في مواجهة كل دعوات التهدئة والوحدة داخل الزاوية، وطريقة تشبثه بالمشيخة رغم تصاعد الرفض داخل جزء من المحيط البودشيشي، تشبه إلى حد بعيد الأسلوب الذي اعتمدته جماعة العدل والإحسان تاريخيا في علاقتها بالدولة، والقائم على فرض الأمر الواقع (حسب اعتقادهم) وبناء مراكز نفوذ موازية.
ضرب خط الشيخ الراحل حمزة بودشيش
ويرى متابعون أن ما يحدث اليوم يمثل انقلابا حقيقيا على الخط الذي رسمه الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، الذي كان حريصا، بحسب مقربين منه، على إبقاء الزاوية بعيدة عن أي مشروع سياسي أو تنظيمي معاد للدولة المغربية.
ففي الوقت الذي ظل فيه الشيخ حمزة بودشيش يعتبر إمارة المؤمنين صمام أمان لوحدة الحقل الديني المغربي، يتهم منتقدو منير القادري هذا الأخير بالسير في اتجاه معاكس تماما، عبر السماح بتغلغل تيار ظل لعقود في مواجهة مفتوحة مع الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي المقابل، يرى هؤلاء أن الشيخ معاذ القادري بودشيش، بحكم ملازمته الطويلة لجده وفهمه العميق لمنهج الزاوية التاريخي، أدرك مبكرا خطورة هذا المسار، ورفض الانخراط في مشروع تحويل الزاوية من مؤسسة روحية جامعة إلى فضاء نفوذ يخدم أجندات تنظيمية وإيديولوجية.
هل أصبحت الزاوية رهينة مشروع الجماعة؟
والسؤال الأخطر الذي بدأ يطرح بقوة داخل الأوساط المتابعة لهذا الملف هو ما إذا كانت الزاوية القادرية البودشيشية بتدبير من خلف الكواليس من طرف منير القادري، ما تزال تحتفظ باستقلاليتها الروحية، أم أنها أصبحت تدريجيا رهينة لتوازنات جديدة تتحكم فيها شبكات قريبة من جماعة العدل والإحسان.
فالمخاوف المتزايدة لا ترتبط فقط بصراع داخلي حول المشيخة، يتهم منير القادري بإثارته والتشبث به، بل أيضا بإمكانية تحويل واحدة من أهم الزوايا بالمغرب إلى منصة نفوذ لتنظيم طالما اعتبر مشروعه السياسي والديني متناقضا مع النموذج الديني المغربي القائم على إمارة المؤمنين والتصوف السني المعتدل.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبدو معركة الزاوية اليوم أبعد من مجرد خلاف عائلي أو تنظيمي، بل معركة حول هوية المؤسسة نفسها، وحول ما إذا كانت ستبقى وفية للخط الروحي الذي بناه الشيخ الراحل حمزة القادري بودشيش، أم ستتحول بفضل منير القادري إلى ساحة اختراق تخدم مشروع جماعة طالما انتظرت اللحظة المناسبة للتسلل إلى عمق الحقل الديني المغربي.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
