يطرح حدث فشل عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، في انتخابات الفيدرالية الدولية للصحافيين، أسئلة محرجة تتجاوز شخص رئيس الوفد، لتطال مبدأ المساءلة داخل التنظيمات المهنية وحق الرأي العام، وخاصة الجسم الصحفي، في معرفة كيف صرفت مبالغ كبيرة على مشاركة انتهت بإخفاق مدو.
بأي منطق تنفق هذه الموارد دون أن يقدم تفسير واضح للنتائج؟ وهل يتحمل عبد الكبير اخشيشن، بصفته رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، المسؤولية السياسية والتنظيمية عن هذا الفشل، سواء من حيث معايير اختيار الوفد، أو تدبير الحضور داخل المؤتمر، أو ما ترتب عن ذلك من غياب التمثيلية المغربية داخل أكبر إطار دولي للصحفيين؟
وفد خارج دوائر النقاش والتأثير
بدأت القصة قبل أيام من يوم الاقتراع، في المؤتمر 32 للفيدرالية الدولية للصحافيين، بباريس، الذي نظم بين 4 و 7 ماي الجاري، حيث كان الوفد المغربي الأكبر عددا بين المشاركين، خمسة أعضاء بقيادة رئيسهم. غير أن هذا الحضور العددي لم يترجم إلى حضور تواصلي أو تأثير فعلي. حيث لا يتحدث أعضاء الوفد إلا العربية داخل فضاء يغلب عليه استعمال لغات أخرى، وهو ما جعل الوفد عمليا خارج دوائر النقاش والتأثير. هنا يبرز خلل جوهري في الإعداد الدبلوماسي واللغوي للمشاركة، إذ لا يكفي الحضور الشكلي في مثل هذه المحافل، بل يتطلب الأمر كفاءة تواصلية وخطة تأثير واضحة.
على مستوى التكاليف، تتراكم المؤشرات الدالة على سوء تقدير الأولويات، إقامة فندقية مرتفعة، مصاريف الجيب اليومية، تذاكر سفر، ونفقات سابقة استعملت في استضافة وفد إفريقي بالرباط في محاولة لكسب الدعم الانتخابي. غير أن هذه الاستثمارات لم تترجم إلى أصوات يوم الحسم. فقد صوّت ممثلو القارة لصالح المرشح التونسي زياد الدبار، الذي أصبح الممثل الوحيد لشمال إفريقيا، بينما خرجت النقابة المغربية بخفي حنين.
غياب تصور إستراتيجي لدور المشاركة الدولية
الأكثر دلالة من النتيجة الانتخابية هو الصمت الذي لازم الوفد المغربي طوال أيام المؤتمر، لا مقترحات، لا توصيات، لا مرافعات. في المقابل، ظهرت نقابات حديثة العهد بالانخراط أكثر حضورا وتأثيرا. هذا الصمت لا يمكن تفسيره فقط بعائق اللغة، بل يعكس غياب تصور إستراتيجي لدور المشاركة الدولية، هل الهدف هو التمثيل الرمزي أم الفعل الترافعي؟ المفارقة أن هذا المقعد ظل محفوظا منذ سنة 1997 بفضل حضور قيادي سابق، خاصة خلال رئاسة يونس مجاهد، الذي انتخب أيضا رئيسا سنة 2019 داخل هذا الإطار الدولي. ما يعني أن الرصيد الرمزي والتاريخي للنقابة كان يمكن البناء عليه، لا التفريط فيه.
هنا تتجاوز القضية شخص عبد الكبير اخشيشن لتطرح سؤالا أعمق، هل تعيش النقابة أزمة حكامة داخلية؟ هل تدار المشاركة الدولية بمنطق العلاقات الشخصية بدل منطق المصلحة المهنية والتأثير الترافعي؟ وهل توجد آليات داخلية للتقييم والمحاسبة بعد مثل هذه المشاركات؟
خسارة رمزية ومؤسساتية
إن هذه الخسارة ليست انتخابية فقط، بل رمزية ومؤسساتية، إذ أن فقدان موقع داخل شبكة دولية مؤثرة يعني تراجع قدرة الصحافة المغربية على الحضور في النقاشات العالمية حول حرية الصحافة وأخلاقياتها وحمايتها، وتعويض هذا الغياب لن يكون سهلا، لأنه يتطلب سنوات من العمل الدبلوماسي النقابي الجاد.
في المحصلة، لم يتحول الحلم إلى كابوس بسبب الهزيمة وحدها، بل بسبب ما كشفته من اختلالات في الإعداد، والتدبير، والتواصل، والمساءلة. وهي اختلالات تضع النقابة أمام اختبار حقيقي، إما مراجعة عميقة لآليات اشتغالها، أو استمرار التآكل الصامت لرصيدها التمثيلي داخليا وخارجيا.
هذا المحتوى مقدم من آش نيوز
