تلقيتُ مؤخراً مقطعاً مصوراً من زميل ومفتش سابق في التخصصات العلمية، قضى عقوداً في إرساء دعائم الجودة المخبرية والمنطق الرياضي، يتضمن مداخلة للسيد وزير التربية الوطنية تحت قبة البرلمان، يتحدث فيها عن استراتيجية النمذجة كآلية لفهم التلميذ لمنطق التعلم؛ وقد لجأ إليّ الزميل المفتش بصفته تكنوقراطاً علمياً، لأقدم له قراءة لغوية وبيداغوجية في مقاصد الخطاب الرسمي الوزاري وهو الأمر الذي يضعنا أمام ضرورة تفكيك المسافة بين المفهوم العلمي و التعبير السياسي
ففي الأدبيات البيداغوجية الرصينة تُعد النمذجة استراتيجية تعليمية محورية تهدف إلى جعل العمليات الذهنية غير المرئيةمرئية أمام المتعلم، بحيث يقدم المدرس نموذجاً حياً لطريقة التفكير والتحليل، موضحاً المسارات المنطقية التي تؤدي إلى الحل، لتكون جسراً معرفياً ينقل التلميذ من مرحلة التلقي السلبي إلى محاكاة المنهج العلمي في معالجة القضايا.
إلا أن الصياغة التي وردت في خطاب السيد الوزير والتي ركزت على فهم كيفية القيام بالفعل لكي يفهم المتعلم ما يفعله جاءت لتطرح إشكالاً في التواصل المؤسساتي؛ فبدلاً من أن تعمل النمذجة على تبسيط المعقد وتوضيح الرؤية، أنتج التعبير الوزاري حالة من الغموض اللساني، مما قد يؤدي إلى تمييع المفهوم العلمي وإفراغه من محتواه التربوي الدقيق.
إن جوهر العملية التعليمية يقوم على الوضوح ، وحين يغيب هذا الوضوح عن خطاب المسؤول الأول عن القطاع، فإننا نكون أمام فجوة تواصلية قد تنعكس سلباً على الأطر الميدانية والتلاميذ؛ فإذا كان المفتش المتخصص والممارس اللغوي قد وجدا صعوبة في استيعاب هندسة الفكرة من خلال التعبير الوزاري، فكيف يمكن للمدرس أن ينزلها إلى أرض الواقع، وكيف للمتعلم أن يستنبط منها منهجاً للتفكير؟
إن الانتقال من علم النمذجة بقواعده الصارمة إلى خطاب يتسم بالارتباك اللغوي، يحول المنهج من أداة للتمكين المعرفي إلى لغز يحتاج لفك الشفرات، مما يجعلنا اليوم بحاجة ماسة إلى تطابق تام بين المشاريع الإصلاحية وبين اللغة الواصفة لها، ضماناً لسلامة التنزيل وحمايةً للمفاهيم العلمية من التأويلات البعيدة عن مقاصدها البيداغوجية.
وقد خرجت من هذه الحادثة بخلاصة مفادها أن النمذجة الوحيدة الناجحة في سياقنا الحالي هي نمذجة العبث؛ حيث الوزير يخطب، والبرلمان يصفق، والتلميذ ينتظر من يفهمه كيف يدير ليفهم بينما الحقيقة تائهة بين كيفاش الأولى و كيفاش الثانية
وعلى قول الفقهاء: إذا فُسر المشكل بما يزيد الغموض، بطل التفسير ووجب التغيير
يوسف غريب معلم
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
