سالم بن محمد بن أحمد العبري
في الجمعة الماضية الأول من مايو 2026 أُغمضت عين سالم بن مسعود بن خلوف الخاطري الذي قارب عمره من اكتمال المائة عام، وقد عاش نصف قرن قبل النهضة المباركة التي أشرق فجرها الواضح مع تولي السلطان قابوس الحكم يوم الأربعاء 23 يوليو 1970م 20 من جمادى الأولى عام 1390هـ، ولكن فجرها الصادق شع بالعديد من المظاهر كإنشاء الجيش العُماني وإقامة الدواوين واستخدام وسائل التواصل الأولى كنظام البرق بين الجيش والولايات وبناء العيادات الصحية الصغيرة في ولاية نزوى ومثيلاتها وقد كانت بولاية (ضنك) عيادة صحية بُنِيَتْ في منطقة وسطى ما بين (العِلّاية والسفالة) شمال الوداي الذى يمتد به (الغَيل) ولم يكن يُؤْمَن على الصغار اجتيازه دون مرافق، وكان مُعظم العاملين بتلك الوحدات الصحية من القارة الآسيوية، وربما غالبيتهم من باكستان.
وقد زُرتُ عيادة (ضنك) أثناء إقامتي هناك بصحبة والدي القاضي وعشتُ بها عدّة أشهر بدايةً من صيف ١٣٨٥هـ الموافق عام 1966م وكنت أعالج أيامها بحقن لمقاومة مرض (فقر الدم). وكان أولاد (الخواطر) و(الهطاطلة) في منطقتنا من أوائل الذين انضموا للجيش العماني الناشئ في ستينيات القرن العشرين وربما يكون (حسين ومحمد بن سعيد) من الأوائل الذين كان لهم شرف الانتماء لمُؤسسة الجيش العُمانيّ، يومَ كان يُنظر للوظيفة العسكرية في تلك الأيام التي خلت كأخطر وظيفة.. في هذه الأيام كنَّا قد ختمنا القرآن الكريم وأخذنا ندرس كتاب (تلقين الصبيان)، ثم (ملحة الإعراب). وكنَّا في حال معرفيّة تُخوِّل لنا أن يكون لنا السبق والترفع.
واليوم حين ذهبت للتعزية في (سويلم) [سالم بن مسعود بن خلوف الخاطري] ومنذ عامين تقريباً صبّرته على وفاة زوجته وكان قد ودّع نشاطه والظرافة التي كانت معهودة في مثله من أبناء جيله، لكنه لم يفقد ذاكرة الصحبة الطويلة معه وصحبة أبي مع أبيه مسعود بن خلوف وأقرانه من (الرويغ العالي) أو من كل قبيلة (الخواطر) في الوادي والجبل، وعندما زرته تمسك فينا لا يُريد أن يتركنا إلا بعد عشاء قد يحتاج لإعداده ساعات طوال، وهل هذا العصر عصر انتظار طعام؟ وبعد لَأْيٍ، خلصنا منه نجيا وعلى وعد أن نأتيه في وقت آخر، وكيف يتحقق ذلك والفاصل بين الحمراء وبركاء كل هذه الجبال والأودية الممتدة، ثم إنَّ جيل الأولاد منه ومنَّا لا تدفعهم الرغبة والحرص على ذلك.
ولولا إشارة من الأخ حمد بن محمد بن على بن مبارك العبري بإعلامي مشكورا عن وفاة الصديق الأب [سالم بن مسعود بن خلوف الخاطري] الشهير بـ(سويلم)؛ لم أنتبه، ولم يكلف أحد من الذين حولي نفسه عناء بث الخبر الحزين الذي لا مفر منه. على أيّة حال أسرعت مع العصر إلى مجلس الخواطر، الذي بني في امتداد الرويغ غرباً وكأنه أقرب إلى (طوي الجحلة) للعزاء في الفقيد.
وفي المجلس كان البعض يترقب ويتوقع ألا أنسى سيرتهم وأُخوّتهم وعيشنا المشترك في رخائه وعسره والبعض الآخر لا يكاد يذكر من سيرتنا شيئًا.
لقد تعرّفت على هؤلاء الخواطر الطيبين حين أقمتُ معهم أسفل الديرة أعلى الودي حيث السدرة وافرة الظل مُمتدة الركن والغصون والخضرة وإلى الجانب منها بئر وحوض لري الأغنام، وتحت مركزها تمتد (تسدية نسج السيح) من (غزل الصوف) الذي غزلوه وهم وقوف أو جلوس أو يمشون بالطرقات أو بمحاذاة الأغنام التي يرعونها وتعطيهم الصوف للغزل والشعر للأحبال.
وفي (ديرهم) كان يمتد بنا المكوث لأسبوعين كاملين، وكان أبي يترأس المجموعة وبصحبته (علي بن خميس العبري) (النجار لصناعة أبواب ونوافذ السبلة) الذي غدا مثل عصره، ويسانده صهره (محمد بن سلوم العبري) ورفيقه بالمهمة والولدان (الأخ زاهر بن عبدالله بن مهنا وأنا الذي أصغره ربما بعقد من الزمن)، وكانت مهمتهما صناعة أبواب ودرايش (نوافذ) (السبلة) التي يبنيها الوالد الشيخ عبدالله بن مهنا في جزء من (الحوش) الذي أسفل بيت الجبل وغربي السبلة القديمة المحاذية للدرج الواسع، الذي يصعد للربوة التي يقع بها البيت، ومن ثم (الحارة الجديدة) التي توالى بناؤها في هذا الجزء من حارة الحمراء القديمة غربي باب (الصباح العالي).
وقد كان فريق النجارة يبدأ بنشر الأخشاب صباحًا بعد تناول الحليب الممزوج بالسعتر، وربما الشاي والخبز اليابس وقد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
