بين مطرقة البندقية وسندان الأيديولوجيا، واجه السودان عقوداً من التيه السياسي ضمن مشروع ممنهج لاختطاف الدولة، وتحويلها إلى كيان خاضع للتنظيم. وإن متأمِّلَ الواقع السوداني يدرك أن جذور الأزمة بدأت حين قررت حركة «الإخوان» الإرهابية، ببراغماتية مفرطة، التسلل إلى دهاليز السلطة مرتدية عباءة الدين لتمرير أجندة التمكين والإقصاء، صانعةً بذلك وضعاً من الدمار والانقسام لا يزال يطارد السودانيين حتى اليوم.
في سبعينات القرن الماضي بدأ حسن الترابي والكيزان بناء مشروعهما الإرهابي عبر الضغط المتواصل على جعفر النميري، حتى أقرّ «قوانين سبتمبر» أي تطبيق الشريعة ضمن مسار منح الحركة الإسلامية موطئ قدم داخل الدولة. ومنذ تلك اللحظة بدأ الانتقال التدريجي من الدولة الوطنية إلى دولة التنظيم، حيث توسّعت شبكات النفوذ داخل الجيش والجامعات والمؤسسات المدنية، وفق رؤية صاغها الترابي في كتابه «الحركة الإسلامية في السودان: التطور، الكسب، المنهج»، القائم على مراحل السرية ثم الظهور ثم التمكين.
ومع سقوط نظام النميري عام 1985 أعاد الترابي ترتيب صفوف الكيزان عبر «الجبهة الإسلامية القومية»، قبل أن يبلغ المشروع ذروته بانقلاب 1989 الذي جمع الجيش السوداني بالإسلام السياسي، وأصبح فيه عمر البشير واجهة للحكم بينما تولى الترابي إدارة المسار الحقيقي للسلطة، مؤسساً بنية قائمة على الأدلجة والولاء التنظيمي.
وخلال تلك المرحلة تحوّلت الخرطوم إلى نقطة جذب لشبكات وتنظيمات متطرفة عابرة للحدود. اندفع الترابي برؤية براغماتية نحو توسيع نفوذه خارج السودان، طامحاً إلى بناء موقع يجعله «خميني العصر» في المجال السُني، عبر تشكيل مرجعية جامعة للحركات الإسلاموية المسلحة. واستضاف أسامة بن لادن لسنوات، وأُنشئت معسكرات ومراكز تدريب وتنظيم داخل السودان، في بيئة وفرت مساحة لانتشار الجماعات المتشددة وترسيخ حضورها.
وتعمّق التقارب مع إيران في التسعينات، حيث دفع الترابي باتجاه فتح قنوات تنسيق بين الإسلام السياسي السُني ونظيره الشيعي تحت شعارات «وحدة الأمة ضد الغرب» و«التقريب»، وتم ترتيب لقاءات بين قيادات متطرفة، من بينها لقاء أسامة بن لادن وعماد مغنية برعاية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. هذا المسار حوّل السودان إلى منصة عبور وتنسيق للتنظيمات المتشددة، ودفع البلاد إلى عزلة دولية خانقة.
في تلك الظروف قدّم الترابي خطاباً يرفع شعارات التجديد والإصلاح، بينما ارتبط الواقع بالحروب والصدامات والانقسامات. وقد ارتبط اسمه بالتورط في حرب الجنوب وما خلّفته من نزف إنساني، كما التصق مشروعه بإعدام المفكر محمود محمد طه في واحدة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
