كثيرون حاولوا أن يكتبوا عن فيروز وكلهم انتهوا إلى الاعتراف ذاته: الكلمات لا تبلغ ما يبلغه صوتها

ملخص لا ندعي أننا نصف فيروز بل ندور حولها فقط، بمحبة وحذر في المسافة الوقورة ذاتها التي يدور فيها الكوكب حول نجمه، مشدوداً مضاء، غير قادر على الاقتراب أكثر خشية الاحتراق، وهذا الاحتراق لو حدث فلن يكون ألماً، وسيكون في أسوأ الأحوال نهاية جميلة.

ثمة أشياء في هذا العالم لا تعود إليك حين تفقدها، فالطفولة لا تعود والحروب حين تنتهي لا تُمحى، والأحبة الذين يغادرون يأخذون معهم جزءاً منك لا يُعوض، لكن ثمة استثناء واحداً نادراً، استثناء تتعمد الحياة أن لا تُكرره كثيراً، وهو الصوت الذي يبقى، الصوت الذي لا يعرف كيف يُودع ولا يُجيد الرحيل، والصوت الذي كلما ابتعدت منه وجدته ينتظرك في المكان ذاته، هادئاً واثقاً كأنه يعرف أنك ستعود، وهذا الصوت اسمه فيروز.

قلة من العرب في النصف الثاني من القرن الـ 20 لم يعيشوا لحظة فيروزية واحدة في الأقل، لحظة حيث الصوت أتى من خلف باب أو من نافذة مفتوحة أو من راديو قديم يبث على موجة لا تُمسك إلا بصبر، فتُوقف كل شيء، تُوقف اليوم، تُوقف الضجيج، تُوقف ما كنت تفكر فيه، وبقيت تستمع وأنت لا تعرف بالضبط لماذا يضيق صدرك بهذا الاتساع وتمتلئ عيناك من دون سبب واضح ومن دون أن تكون قد فقدت أحداً في ذلك اليوم بالذات.

هذه اللحظة ليست مصادفة ولا مزاجاً عابراً، إنها ما يحدث حين يلتقي صوت استثنائي بذاكرة إنسانية مخزن فيها كل ما لم يُقل، وفيروز لا تُغني لك وحسب بل تُغني عنك، تُغني عن الأشياء التي أنت نفسك لا تعرف كيف تُسميها: الحنين إلى مكان لم تزره بعد، الشوق إلى أشخاص لا يزالون موجودين، الخوف من فرحة كبيرة جداً كأنها تحمل بذرة خسارتها في داخلها، وكل هذا وأكثر يقوله صوتها بدلاً منك، وحين يقوله تشعر بشيء يشبه الارتياح لأن ما ظننته مرضاً خاصاً بك اكتشفت أنه مشاعر إنسانية مشتركة تعرف طريقها إلى الكلام.

الفيروزيون، وهو لقب يحمله ملايين البشر بفخر صريح لا مجاملة فيه، ليسوا مجرد جمهور معجب بمغنية موهوبة بل هم رعية غير رسمية لدولة لا جغرافيا لها، دولة حدودها الموجة الصوتية وعملتها الذاكرة المشتركة وجواز سفرها أن تكون قد سمعت "زهرة المدائن" يوماً وبقي لك منها شيء لا تُفسره.

هذه الدولة لا رئيس لها ولا عَلم ولا جيش، لكنها من أكثر الكيانات تماسكاً في تاريخ الوجدان العربي، وسفيرتها الوحيدة امرأة تقيم في الرابية لا تُدلي بتصريحات ولا تستقبل الصحافة ولا تقف على المنصات الانتخابية، تفعل شيئاً واحداً فقط: تُغني.

كثيرون حاولوا أن يكتبوا عن فيروز وكلهم انتهوا إلى الاعتراف ذاته: الكلمات لا تبلغ ما يبلغه صوتها، ليس لأن الكلمات قاصرة عموماً بل لأن فيروز تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الظواهر الإنسانية التي تقع في المنطقة بين الفن والضرورة، بين الجمال والحاجة الوجودية، إنها ليست كمالاً يُضاف إلى الحياة بل هي في الحياة نفسها، غير قابلة للعزل عنها، مثل الهواء تماماً لا تلاحظه إلا حين يشح.

فيروز لا تُغني لك وحسب بل تُغني عنك، تُغني عن الأشياء التي أنت نفسك لا تعرف كيف تُسميها: الحنين إلى مكان لم تزره بعد، الشوق إلى أشخاص لا يزالون موجودين، الخوف من فرحة كبيرة

لا ندعي هنا أننا نصف فيروز بل ندور حولها فقط، بمحبة وحذر في المسافة الوقورة ذاتها التي يدور فيها الكوكب حول نجمه، مشدوداً ومُضاء وغير قادر على الاقتراب أكثر خشية الاحتراق، وهذا الاحتراق لو حدث فلن يكون ألماً، بل سيكون في أسوأ الأحوال نهاية جميلة.

طفلة في عالم الكبار في حارة زقاق البلاط الشعبية ببيروت، حيث تتزاحم البيوت وتتداخل الروائح وتتلاشى الحدود بين مطبخ وآخر، وُلدت نهاد رزق وديع حداد في الـ 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1934 أو في الـ21 من نوفمبر عام 1935، وهو تشكيك في التاريخ ليس من باب التفصيل الأكاديمي العقيم.

إنه دلالة على سمة جوهرية في شخصية فيروز: الغموض الاختياري والسيطرة الصارمة على أدوات التعريف الذاتي، فمنذ البداية كان هناك شيء ما تحتجزه لنفسها حتى في ما يبدو أبسط المعطيات.

كان والدها وديع حداد عاملاً في مطبعة جريدة "لوريان لو جور" الفرنسية، رجلاً بسيطاً محافظاً لا يملك راديو، أما الأم ليزا البستاني فربة بيت تُعين زوجها على تربية أربعة أبناء في ضيق كريم، وهذه الأسرة المتواضعة الحال لم تكن تعرف أن ذلك الصوت الذي كانت الطفلة الكبرى تصدره أثناء اللعب، والذي كان يأخذ صفاء غريباً حين يخترق هواء الصباح، هو الصوت الذي سيصبح يوماً "قيثارة السماء" وفق توصيف الشاعر سعيد عقل.

كانت نهاد تقف في نافذة المطبخ وتسترق السمع إلى راديو الجيران، فتعلمت الغناء قبل أن تتعلم الكتابة، وتشربت أصوات أسمهان وليلى مراد قبل أن تطور صوتها الخاص المختلف عنهما اختلافاً جوهرياً في الطابع والفلسفة الأدائية.

في المدرسة وهي في الخامسة من عمرها حازت لقب "أجمل صوت"، وهو اعتراف بسيط لطفلة خجولة لم تنجح في تكوين صداقات كثيرة، وخجلها لم يكن ضعفاً بل كان مسافة انتخبتها بغريزة المواهب الكبيرة، تلك المسافة التي تفصل الفنان عن ضجيج الحياة وتحفظ له صفاء رؤيته الداخلية.

في عام 1947 كان الأخوان محمد وأحمد فليفل يبحثان عن أصوات لكورال إذاعي حين وقع سمعهما على صوت الطفلة في حفل مدرسي، وكانت عقبة الأب المحافظ حاضرة، إذ لم يكن رجل يعمل في الطباعة يريد لابنته أن تُغني أمام العموم في مجتمع لم يرسخ بعد معادلة واضحة بين الاحترام والغناء عند المرأة، لكن فليفل أقنع الأب بأن ابنته ستُغني أناشيد وطنية وأن أخاها جوزيف سيرافقها، وهو اشتراط يوحي بثقل السياق الاجتماعي الذي ولدت فيه الظاهرة الفيروزية.

درست نهاد في المعهد الموسيقي الوطني حيث تعلمت أصول التجويد والمقامات والنوتة الموسيقية، وبسرعة الالتقاط وحدس الموهبة الباكرة أثبتت أنها تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الفنانين الذين يُدركون الموسيقى بوجدان يسبق التفسير النظري، لا بمجرد الحفظ والتدريب.

حليم الرومي وولادة الاسم حين جاء حليم الرومي من قبرص إلى لبنان مطلع عام 1950 ليتولى رئاسة القسم الموسيقي في الإذاعة اللبنانية، كان رجلاً يملك أذناً مدربة وحساسية موسيقية رهيفة، وحين نجحت نهاد في مسابقة اختبار الأصوات رأى الرومي ما لم يرَه غيره آنذاك: حنجرة نادرة بعيدة المدى، قادرة على الإبحار في مقامات عدة من دون أن تفقد توازنها الداخلي، صوت يذكره بالحجر الكريم في صفائه ومتانته وعمقه.

منح الرومي نهاد حداد اسمها الفني "فيروز"، ولم يكن هذا الاختيار عشوائياً، فالفيروز حجر كريم شبه شفاف يحمل اللون الأزرق الهادئ والعمق الصامت في آن معاً، وهما الصفتان اللتان ستُعرف بهما فيروز طوال مسيرتها.

لحّن لها الرومي أغنيتها الأولى "تركت قلبي وطاوعت حبك" في أبريل (نيسان) 1950، وكانت بداية مشوار لن يستطيع العالم العربي بعده أن يتخيل صباحاته دونها، وما يكشفه التأريخ الدقيق لتلك المرحلة هو حجم الغموض الذي أحاط بفيروز منذ البداية، فقد ظهر اسمها الفني قبل أن يُعرف اسمها الحقيقي، وبقي وجهها محتجباً في الصحافة لما يقارب عامين بعد إطلاق صوتها على الأثير، وكأنها اختارت بوعي باكر أن تكون الصوت لا الشخص، أن تكون الأغنية لا المغنية، وهذا الاختيار الباكر للاحتجاب خلف الفن سيصبح أسلوب حياة مستمراً لعقود.

تغيير في الإذاعة اللبنانية التقت فيروز بعاصي الرحباني، الشاب الذي يعزف الكمان ويُلحن الأغنيات رفقة أخيه منصور، وحين استمع عاصي للمرة الأولى إلى صوت نهاد، قال وفق ما نقلته بعض المصادر بتناقض لافت "لا تصلح للغناء"، ثم تناقض مع نفسه وبدأ يعلمها، وفي هذه المفارقة البسيطة خلاصة العلاقة كلها: توتر دائم بين الجذب والمقاومة، بين من يصنع وبين الصوت الذي يحول المصنوع إلى حياة.

انتظر عاصي طويلاً قبل أن يتجرأ على عرض الزواج فرُفض، ثم عرض ثانية فرُفض، ثم في المرة الثالثة وافقت، وهذا الإيقاع الثلاثي يكشف شيئاً عميقاً في شخصية فيروز: حساب دقيق، تريث طويل، قرارات لا تُتخذ في الحرارة الأولى بل في البرودة الثانية حين تترسخ اليقينات، ليتزوجا في يوليو (تموز) 1954.

أنتج الثالوث، فيروز وعاصي ومنصور، حتى عام 1975 مئات الأغاني و20 عملاً مسرحياً غنائياً، وهو إنجاز لا نظير له في تاريخ الأغنية العربية، ويصف الباحث كريستوفر ستون في دراسته الأعمق أكاديمياً في هذا الموضوع "الثقافة الشعبية والقومية في لبنان: أمة فيروز والرحابنة (Popular Culture and Nationalism in Lebanon: The Fairouz and Rahbani Nation) والصادرة عن دار النشر Routledge عام 2008، هذا التوليف بأنه "حداثة مُقنَعة بالأصالة"، إذ يُقدَم التحديث الموسيقي الجذري في غلاف من الإيحاءات الريفية والتراثية، وهي ملاحظة نقدية جوهرية تُنبه إلى أن العمل الرحباني الفيروزي لم يكن مجرد توثيق للتراث بل كان مشروعاً جمالياً أيديولوجياً واعياً لبناء صورة عن لبنان والعروبة.

ما الذي يجعل هذا الصوت استثناء؟ كثيراً ما تُوصف فيروز بصفات شعرية رفيعة من دون الاستناد إلى مرتكزات تقنية تُفسر هذا الاستثناء، ويُخطئ البحث الجمالي حين يكتفي بالوصف الوجداني ويتجنب التحليل التقني، لأن الأخير لا يُجفف الجمال بل يُضيء آلياته، وتحليل موسيقي دقيق يكشف أن جمال صوت فيروز ليس مجرد إحساس ذاتي بل له بنية تقنية محددة تشرح سره، ويُصنف صوت فيروز في خانة الـ "ميزو-سوبرانو"، وهو النوع الصوتي الذي يقع بين الـ "سوبرانو" والـ "كونترالتو"، ويتميز عموماً بجرس أثقل وأكثر عمقاً من الـ "سوبرانو".

غير أن ما يجعل هذا الصوت استثنائياً ليس نطاقه وحده بل مرونته النادرة، وتقول خبيرة الموسيقى الشرقية في جامعة هارفارد، فيرجينيا دانيلسون، إن صوت فيروز "مرن بصورة استثنائية، فهي قادرة على إنتاج الزخارف ودقائق الأداء والنغمات بطريقة تتطلب دقة استثنائية"، وهذه المرونة هي ما يجعله قادراً على حمل المقامات المتعددة من دون انكسار مسموع، وما يفسر قدرته على التنقل بين الأغنية الشعبية الخفيفة والعمل المسرحي الكبير في مسيرة واحدة متماسكة.

المقامات الأساس في مسيرتها تغني فيروز كثيراً من أعمالها في المقامات التقليدية مثل المقامات والموشحات المشتقة من الموروث الأندلسي العربي، بينما تستعير في الوقت ذاته من الموسيقى الكلاسيكية الغربية بنسج الآلات الأوروبية وإيقاعات الرقص فيها، وهذا التعدد المقامي الذي تتنقل فيه بين البياتي الذي يمنح الأغنية حزنها الشفاف الحميم، ويتجلى بوضوح في "زهرة المدائن" و"أنا وشادي"، ومقام الحجاز الذي يستحضر البُعد الروحاني الشرقي وتُجيده فيروز في "يا مرسال المراسيل" و"صح النوم" إضافة إلى النهاوند وغيرها، ما يمنح صوتها قدرة على استيعاب مساحات عاطفية متباينة في أغان مختلفة، من الحزن الشفاف إلى البهجة الريفية إلى الروحانية العميقة.

لا ندعي هنا أننا نصف فيروز بل ندور حولها فقط، بمحبة وحذر في المسافة الوقورة ذاتها التي يدور فيها الكوكب حول نجمه، مشدوداً ومُضاء وغير قادر على الاقتراب أكثر خشية الاحتراق، وهذا الاحتراق لو حدث فلن يكون ألماً، بل سيكون في أسوأ الأحوال نهاية جميلة.

وتتميز فيروز بمزج المناهج الموسيقية وتحقيق توازن بين التقليدي والمعاصر والشرقي والغربي، وقد أثر تدريبها في "المعهد الموسيقي اللبناني" في أسلوبها حين اكتسبت تقنيات وأساليب أداء عريقة، ووضع عاصي ومنصور صوتها في قمة طبقات صوتية تجمع الأوركسترا الغربية مع العود والقانون والناي، فأُنشئت بنية موسيقية ثلاثية الأبعاد يصل فيها الصوت إلى من لا يفهم العربية بمتعة غير مفسرة.

وُصف صوتها بأنه "هادئ وواثق وحلقي" يتميز بحلاوة ناعمة، وقد لُقبت بـ"كالاس العرب"، وهو لقب يستحضر المقارنة بماريا كالاس في قدرتها على تحويل الصوت إلى حدث عاطفي يتجاوز اللغة، ويمكن رصد تطور ملموس في صوت فيروز عبر مراحل مسيرتها، وإن كان هذا التحليل استنتاجياً يستند إلى الإصغاء المقارن لأرشيفها أكثر من استناده إلى دراسة صوتية محددة، فخلال الخمسينيات كان الصوت غضاً رقيقاً بمرونة عالية في الحدة، وفي الستينيات والسبعينيات اكتسب نضجاً وثقلاً جعله يحمل الأعمال المسرحية الكبرى بجدارة، ومنذ مرحلة زياد في الثمانينيات تراجعت الحدة العالية لمصلحة عمق في الطبقات الوسطى والدنيا، مما جعله أكثر دفئاً وحميمية، وهذا التطور لم يكن تراجعاً بل نضجاً موازياً لنضج الإنسان داخل الفنانة، ومرآة لما يحدث حين يتحول الصوت من أداة أداء إلى امتداد للتجربة الإنسانية ذاتها.

سياسة الكلمة والهوية جانب يغيب عن غالبية الدراسات المتعلقة بفيروز، وهو التنوع اللغوي المدروس في مسيرتها وما يحمله من دلالات أيديولوجية وهوياتية عميقة، ففيروز لم تكتف بصوت واحد بل تنقلت بوعي بين مستويات لغوية عدة، وكل مستوى يُخاطب شريحة مختلفة من الوجدان العربي، فغنت بالعامية اللبنانية المحلية ولهجة الجبل اللبناني والعامية الشامية والفصحى الشعرية الرفيعة، وحين غنّت بالعامية اللبنانية في المسرحيات الرحبانية أعطت اللهجة مكانة أدبية لم تكن تحظى بها سابقاً في الفضاء الغنائي الرسمي الذي كانت مصر تهيمن عليه بعربيتها الرصينة، وحين غنت الفصحى الشعرية في قصائد سعيد عقل وأبي القاسم الشابي وميخائيل نعيمة أبقت على الصلة بالهوية العربية الجامعة ما وراء الحدود اللبنانية.

هذا التوازن الذكي ليس عفوياً وهو موقف ثقافي وسياسي ضمني في آن، فاللهجة تقول نحن لبنانيون وهذا جمالنا الخاص، والفصحى تقول نحن عرب وننتمي إلى هذا الإرث الجامع، وفيروز التي لم تُصرح يوماً بموقف سياسي صريح صرحت بكل شيء من خلال اللغة التي اختارتها في كل موقف وكل مناسبة.

كذلك اللغة الدينية التي وظفتها في أغانيها الميلادية والفصحية تحمل طبقة ثالثة وهي الانتماء الطقسي لتراث ليتورجي مسيحي شرقي تتداخل فيه العربية بالسريانية والنفَس الإنجيلي، وهذا التداخل جعل صوتها يُقدَس عند طيف واسع من المستمعين العرب تجاوز الحدود الدينية، لأن النغمة الروحانية الصادقة تصل حتى حين لا تلتقي العقيدتان.

فيروز والموسيقى الدينية يُشكل الغياب الكامل لهذا البُعد في غالبية الكتابات عن فيروز فجوة حقيقية، فقد سجلت ما يزيد على 60 أغنية دينية مسيحية (السريانية والبيزنطية واللاتينية)، غالبيتها أناشيد للميلاد والفصح والأعياد الكبرى، وهي أيقونية بدرجة تُضاهي أيقونية أغانيها العاطفية، والأسرة المسيحية اللبنانية والسورية والفلسطينية ترتبط بصوتها في الأعياد ارتباطاً طقسياً لا مجرد استمتاع جمالي، فـ "المجد لله في الأعالي" و"ليلة عيد" ليست مجرد أغان موسمية بل جزء من الطقوس الدينية الحية لدى العائلات العربية المسيحية، تُذاع في الكنائس وفي البيوت في الوقت ذاته، ويحفظها الأبناء قبل أن يحفظوا كثيراً من الصلوات، ولذلك ففيروز في هذا السياق ليست فنانة بل جزء من البنية اللاهوتية الشعبية للحياة المسيحية في الشرق.

غير أن الأمر الأعجب أن هذا البُعد الديني المسيحي لم يحُل دون انتشار صوتها في المجتمعات الإسلامية، بل إن كثيراً من المستمعين المسلمين يرون في أغانيها الدينية جمالاً روحانياً عابراً للطائفة، لأن النغمة الصادقة حين تلتقي بكلمة صادقة تُنتج شيئاً يشبه الصلاة في جوهره، بصرف النظر عن الاسم الذي يحمله التراث الذي منه جاءت.

الصوت يتجسد صورة أدت فيروز أدواراً رئيسة في ثلاثة أفلام شكلت خطاً موازياً لمسيرتها الغنائية، لكنها انتهجت فيه خيارات جمالية وأخلاقية انتقائية صارمة.

بياع الخواتم (1964) أُنتج الفيلم مستنداً إلى المسرحية الغنائية الرحبانية بإخراج يوسف شاهين، فقدّم فيروز بدور بياعة الخواتم في قرية جبلية بسيطة، ونجح جماهيرياً في العالم العربي ورسخ صورة "فيروز بنت الجبل الطيبة النقية" التي ستلازم الأسطورة عقوداً، والفيلم بسيط في بنيته الدرامية لكن قوته في الأغاني المدمجة فيه بعفوية لا تصنع.

سفربرلك (1967) الأنضج سينمائياً بين أفلامها، أخرجه هنري بركات، ويتناول قصة عائلة لبنانية في زمن التجنيد العثماني القسري خلال الحرب العالمية الأولى، وأدت فيروز دور "هند" بأداء يتجاوز ما اعتاده الجمهور منها في المسرح، مُعبرة عن ألم الانتظار والفقدان بلغة جسدية وصوتية أكثر نضجاً وأقل رومنسية، وكان الفيلم أقرب إلى الدراما التاريخية الاجتماعية ووسع جمهورها.

بنت الحارس (1968) تجربة كوميدية اجتماعية من إخراج هنري بركات أيضاً، قدمت فيه فيروز وجهها المرح بعفوية واثقة، وأظهر الفيلم بُعداً لم يكن مرئياً بوضوح في الأعمال المسرحية وهو قدرتها على تجسيد الشخصية المرحة من دون أن تفقد رزانتها الجوهرية، والملاحظ في تجربتها على الشاشة أن فيروز آثرت الحذر والانتقاء الشديد، فلم تنزلق نحو الاستنزاف التجاري ولم تقبل بأدوار تتعارض مع الصورة التي رأت نفسها فيها، وهذا الانتقاء يعكس وعياً فنياً عميقاً بضرورة الحفاظ على المسافة الجمالية بين الأسطورة وضجيج السوق.

جدل بيروت والقاهرة في منتصف القرن الـ 20 كانت القاهرة عاصمة لا مُنازع لها للفن العربي، فكانت أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ المنظومة الكوكبية التي تدور حولها الأغنية العربية بالكامل تقريباً، وحين توجهت فيروز والرحبانية إلى مصر عام 1955 للمرة الأولى كانت القاهرة الملعب الذي يُقاس فيه وزن الفنان العربي، فاستُقبلوا بحفاوة جماهيرية، لكن المؤسسة الموسيقية المصرية كانت أكثر تحفظاً، وأم كلثوم أطرت صوت فيروز بعبارات تُقدره من دون أن تُقر بمنافسته للمشهد المصري، وعبدالوهاب الذي لحن لفيروز لاحقاً أغنية "سكن الليل" الرائعة، وصف صوتها بأنه "يفعل أشياء لا أعرف كيف تحدث"، وهذا التقدير المشوب بالاستغراب يُخفي توتراً ثقافياً حقيقياً حول من يملك الريادة في الأغنية العربية؟

جوهر الخلاف بين المدرستين لم يكن شخصياً بل موسيقياً فلسفياً، والأغنية المصرية الكلاسيكية المجسدة في أم كلثوم، تُؤمن بالزمن الطويل في قصيدة تمتد لساعة وتُتيح للمطرب والجمهور أن يعيشا رحلة مشتركة، مع ارتجال وتكرار وإعادة يُقويان الأثر الوجداني.

في المقابل جاء الثالوث الرحباني بفيروز حاملاً فلسفة مختلفة جذرياً وهي الأغنية القصيرة المكثفة التي تقول كل شيء في ثلاث دقائق، فلا تكرار ولا ارتجال بل دخول مباشر إلى صلب الوجدان والخروج سريعاً قبل أن يتشتت الأثر، وهذا الخلاف الجمالي انعكس جغرافياً، فالقاهرة حافظت على مركزيتها الموسيقية لكنها لم تستطع أن تُنكر أن ثمة شيئاً مختلفاً وكبيراً يأتي من بيروت، وبيروت من جانبها لم تدعِ أنها تريد محل القاهرة، بل أنشأت فضاءها الجمالي الخاص، وفيروز هي الصوت الذي جعل هذا الفضاء موجوداً ومستقلاً ومُتكاملاً.

فيلمون وهبي الاستثناء لفهم طبيعة العلاقة بين فيروز وفيلمون وهبي فهماً صحيحاً فلا بد من استيعاب السياق البنيوي الذي نشأت فيه، إذ لم تكن العلاقة تعاوناً فنياً عادياً بين مطربة وملحن، بل كانت استثناء واعياً ومحسوباً في منظومة إنتاجية تقوم أساساً على الاحتكار الإبداعي، فقد كان فيلمون الاستثناء الوحيد الذي شرع أمامه الأخوان رحباني أبواب صوت فيروز كملحن من خارج الأسرة الرحبانية، في وقت منحاه في واقعة استثنائية ثلاثة ألحان فقط لمحمد عبدالوهاب، ومحمد محسن لحناً واحداً، ونجيب حنكش لحناً واحداً، وهذه الأرقام وحدها تكشف كم كان فيلمون وهبي حالاً فريدة في مسيرة فيروز الطويلة.

حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية كان أمام فيروز خيار واجه فيه كثيرون من أهل الفن والثقافة الرحيل أو البقاء فاختارت البقاء، وهذا القرار الصامت الذي لم تُعلنه في مؤتمر صحافي أحد أكثر مواقف الفنانة وضوحاً ورسوخاً.

ولا يمكن فهم هذا الاستثناء من دون استحضار الجذور المشتركة التي ربطت فيلمون بالرحابنة قبل أن تربطه بفيروز، فقد كان فيلمون مع زكي ناصيف والأخوين رحباني في "عصبة الخمسة" التي أسسها رجل الأعمال بديع بولس صاحب "ستوديو الفن"، وهي المجموعة التي نشّطت الأغنية والموسيقى اللبنانية خلال فترة قصيرة.

كان الرجل إذاً رفيقاً للرحابنة في المشروع التأسيسي قبل أن يصير ملحناً يطرق باب فيروز، وهذا ما يفسر منحه ثقة لم تُمنح لغيره، فلُقِب فيلمون وهبي بـ "شيخ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من اندبندنت عربية

منذ 54 دقيقة
منذ 55 دقيقة
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
بي بي سي عربي منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 16 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 22 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 5 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 3 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ ساعتين
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة