أعادت اضطرابات التجارة عبر «مضيق هرمز» خلال الصراع مع إيران تسليط الضوء على غياب شبكة سكك حديدية حديثة في الأردن، في وقت تسرع فيه دول المنطقة جهودها لتنويع مسارات النقل والتجارة بعيداً عن الممرات البحرية المهددة.
ويرى محللون أن الاهتمام الإقليمي المتزايد بسد هذه الفجوة بات أكثر جدية، رغم استمرار تحديات التمويل والمعايير الفنية.
بحسب تقرير لموقع «AGBI»، فإن الأزمة الحالية دفعت الحكومات إلى إعادة تقييم مشاريع الربط البري والسككي باعتبارها جزءاً من أمن التجارة والطاقة في المنطقة.
الإمارات والأردن يوقعان اتفاقيات بدء مشروع سكة حديد ميناء العقبة
تعطّل «مضيق هرمز» يسرّع البحث عن بدائل
قال إبراهيم سيف، وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني الأسبق، إن النقاشات حول تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية في الأردن سبقت الحرب الحالية وإغلاق إيران الفعلي لـ«مضيق هرمز»، مضيفاً «علينا النظر إلى هذه المشاريع باعتبارها مفيدة للمنطقة، لكنها أيضاً تتقاطع مع اضطرابات الخدمات اللوجستية التي نشهدها في المضيق.
وأضاف أن هذه الأهداف باتت تتلاقى وتتزامن، وما يحدث اليوم يسلط الضوء أكثر على أهمية هذه المشاريع.
تجدر الإشارة إلى أن إيران قد أوقفت تقريباً حركة المرور عبر المضيق رداً على الضربات الأميركية-الإسرائيلية، ما أدى إلى تعطّل تدفقات نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، إضافة إلى صادرات الأسمدة والهيليوم وسلع حيوية أخرى من المنطقة، حيث دفع ذلك دولاً مثل تركيا ومصر إلى بحث إنشاء أو تحديث خطوط أنابيب ومسارات بديلة للنقل البري والبحري.
في الأسابيع الأخيرة، عاد التركيز إلى غياب شبكة سكك حديدية رئيسية في الأردن، والتي يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى حلقة وصل إقليمية تمتد من تركيا حتى سلطنة عُمان.
مشهد من محطة القدم، إحدى أهم محطات سكة حديد الحجاز التاريخية، دمشق 8 فبراير 2025.
اتفاقيات جديدة لإحياء الربط الإقليمي
في منتصف أبريل، أشرف مسؤولون إماراتيون وأردنيون، على توقيع اتفاقية لإنشاء الشركة الإماراتية الأردنية لسكك الحديد، إلى جانب صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار لبناء خط حديدي بطول 360 كيلومتراً يربط مناجم الفوسفات والبوتاس في جنوب غرب الأردن بميناء العقبة على البحر الأحمر.
جاءت هذه الاتفاقيات لتُحوّل تفاهمات أولية أُبرمت قبل عامين إلى إطار رسمي، وفي الوقت نفسه، اتفقت تركيا وسوريا على تحديث شبكات السكك الحديدية لديهما بهدف إعادة ربطها مستقبلاً ببعضها البعض، وربطها كذلك بشبكة أردنية مطورة، وفق ما نقلته «بلومبرغ».
كما أطلقت السعودية تعهدات مماثلة بعد ذلك بفترة قصيرة، حيث كان خط الحجاز التاريخي جزءاً من شبكة سكك حديدية عثمانية ضيقة القياس تربط إسطنبول بالمدينة المنورة مروراً بدمشق وعمّان، إلا أن أجزاء واسعة منه، بما فيها الجزء الأردني، تعرضت للتدهور بعد الحرب العالمية الأولى.
بدوره، يرى آفاق حسين، مدير مكتب أبحاث الصناعة والأسس الاقتصادية في نيودلهي، أن الاتفاقيات والتعهدات الحالية تمثل خطوة إيجابية لدولة كانت تفتقر حتى وقت قريب إلى أي التزام مالي أو تخطيطي واضح تجاه مشاريع السكك الحديدية، مضيفاً: «أعتقد أننا ننتقل إلى مرحلة الالتزام، ومع الوقت سيتقدم المشروع».
السياحة الأردنية تحت ضغط الحرب.. 260 مليون دولار خسائر منذ بداية 2026
فجوة تمويلية ومعايير فنية
يُنظر إلى خط السكك الحديدية المقترح الذي يربط موانئ الخليج بمدينة حيفا في إسرائيل مروراً بالسعودية والأردن باعتباره جزءاً محورياً من مشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (IMEC)، المدعوم من الولايات المتحدة في مواجهة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، إلا أن هذا المسار نفسه يمثل موضع فجوة تمويلية بمليارات الدولارات، بحسب دراسة شارك حسين في إعدادها لصالح «المجلس الأطلسي» في أغسطس 2025.
رغم أن المناقشات الجارية بين تركيا وسوريا والسعودية والإمارات بشأن خطوط السكك الحديدية في الأردن ليست جزءاً رسمياً من مشروع (IMEC)، فإن محللين يرون أنها قد تشكل لاحقاً جزءاً من بنيته الأساسية.
من جانبه، قال مجد شفيق، مستشار أسواق المال في عمّان، والذي عمل مع الحكومتين الأردنية والإماراتية، إن الحكومة الأردنية لن تكون قادرة على تحمل التكلفة الكاملة لشبكة سكك وطنية بمفردها، مشيراً إلى وجود حاجة إلى مشاركة المؤسسات المالية الدولية، ودعم المانحين، وتمويل دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الاستفادة من أسواق رأس المال المحلية.
وأشار حسين إلى أن توحيد المعايير الفنية، بما في ذلك قياسات السكك وأنظمة الإشارات، سيبقى تحدياً رئيسياً أمام أي شبكة إقليمية مترابطة.
لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستواصل الأطراف المعنية دفع هذه المشاريع إذا تحوّل وقف إطلاق النار الحالي إلى سلام دائم وأُعيد فتح «مضيق هرمز» بالكامل.
مع ذلك، يرى بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والمتعاون مع مراكز أبحاث مثل «تشاتام هاوس» و«معهد دول الخليج العربية»، أن دول الخليج، بما فيها الإمارات والسعودية، ستواصل السعي لتنويع سلاسل الإمداد والعلاقات التجارية بغض النظر عن مآلات الصراع، قائلاً: «كلما تعددت الممرات كان ذلك أفضل»، مضيفاً: «طريقة التفكير الجديدة تقوم على إحياء طرق التجارة القديمة لكن بصيغة أكثر حداثة، بحيث لا تقتصر على النقل البري فقط، بل تصبح منظومة متكاملة تشمل البحر والجو والسكك الحديدية».
كما تعمل الإمارات والسعودية وسلطنة عُمان بالفعل على توسيع شبكات السكك الحديدية المحلية وتعزيز الربط العابر للحدود.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

