في منتصف شهر ماي من كل سنة، لا يستحضر المغاربة فقط ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية وذكرى تأسيس الأمن الوطني، بل يستحضرون معنى أعمق يتجاوز التاريخ الإداري للمؤسستين إلى موقعهما في بناء الدولة وحراسة استمراريتها. فحين يتعلق الأمر بالمغرب، لا يبدو الجيش والشرطة مجرد مؤسستين تؤديان مهاما جسيمة، وإنما ركيزتين من ركائز السيادة والاستقرار، وسندين من أمتَنِ أسانيد العرش الذي ظل، عبر التاريخ، عنوان وحدة البلاد ورمز تماسك الأمة.
لهذا لا تمر هاتان المناسبتان في الوجدان الوطني كمناسبتين عابرتين. إنهما لحظتان تذكّران المغاربة بأن الأوطان تصان بمؤسسات تعرف معنى الواجب، وتحسن أداءه في صمت، وتظل في الصف الأول كلما تعلق الأمر بحماية الأرض والشعب وثوابت الأمة. ومن هنا بالضبط تكتسب القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني مكانتهما الخاصة في نظر المغاربة، لأنهما يجسدان، كل من موقعه، معنى الدولة حين تكون يقظة، منضبطة، وفية، وقادرة على حماية نفسها.
لقد ارتبطت القوات المسلحة الملكية منذ تأسيسها في 14 ماي سنة 1956 باستعادة السيادة الوطنية وترسيخ استقلال القرار المغربي. لم تكن مجرد نواة عسكرية نشأت بعد الاستقلال، بل كانت منذ البداية جزءا من هندسة الدولة الجديدة تحت قيادة العرش. وفي هذا الامتداد التاريخي، ظلت المؤسسة العسكرية في المغرب مرتبطة بوظيفتها الأصلية النبيلة، وهي الدفاع عن حوزة الوطن، وصون وحدته الترابية، وحماية مقدساته العليا، في ظل وفاء ثابت للعرش وللثوابت الجامعة للأمة.
هذا المعنى جددته بوضوح الرسائل والأوامر الملكية الموجهة إلى القوات المسلحة الملكية، والتي حرصت دائما على ربط المؤسسة بروح المؤسس المغفور له الملك الراحل محمد الخامس، ثم بالجهود التي بذلها المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني في ترسيخ دعائمها، قبل أن يواصل جلالة الملك محمد السادس مسار التأهيل والتحديث ورفع الجاهزية. وهنا تظهر القيادة الملكية باعتبارها القوة الموجهة لمسار النهوض بالمؤسسة العسكرية، من حيث تطوير التجهيزات، وتأهيل الموارد البشرية، وتوسيع التكوين، وربط الفعالية الميدانية بالانضباط واليقظة وحسن التقدير.
ولعل ما يمنح القوات المسلحة الملكية هذه المنزلة الرفيعة في وجدان المغاربة هو أنها ظلت دائما في قلب القضايا المصيرية للبلاد. فهي ليست بعيدة عن نبض السيادة، ولا منفصلة عن الهم الوطني الأعلى المتمثل في الوحدة الترابية. إن حضورها في الحدود، ورباطها الدائم في الصحراء المغربية، واستعدادها المتواصل لحماية البلاد من مختلف التهديدات، كلها عناصر جعلت صورتها في المخيال الوطني مرتبطة بالثبات والصلابة والوفاء. لذلك يحضر الجيش عند المغاربة باعتباره أكثر من مؤسسة دفاعية، بل باعتباره حصنا من حصون الدولة، وتجسيدا عمليا لمعنى التضحية في سبيل الوطن.
ويكفي أن نسبة الثقة في القوات المسلحة الملكية بلغت 97 في المائة، وفق المعطيات التي أوردها البنك الدولي في ورقته التحليلية حول الثقة في المؤسسات بالمغرب استنادا إلى بيانات “البارومتر العربي”، حتى ندرك أن هذه المؤسسة تحتل موقعا استثنائيا في الوعي الجماعي للمغاربة. فهذه النسبة المرتفعة لا تفسر فقط بكون الجيش مؤسسة منضبطة، وإنما أيضا بكونه ظل بعيدا عن التجاذبات، وفيا لوظيفته الأصلية، ومحصنا بعقيدة وطنية واضحة تجعله في خدمة الدولة وفي خدمة الاستقرار.
ثم إن مكانة القوات المسلحة الملكية لا تتوقف عند بعدها الوطني المباشر، بل تمتد أيضا إلى إشعاعها الخارجي. فالمغرب راكم حضورا محترما في عمليات حفظ السلام الأممية، واستطاع أن يرسخ صورة جندي منضبط ومحترف، يؤدي مهامه بكفاءة في بيئات شديدة التعقيد. وهذه المكانة الدولية لا تنفصل عن الصورة التي بنتها المؤسسة العسكرية المغربية لنفسها عبر عقود، باعتبارها مؤسسة جدية، متماسكة، وذات مصداقية. غير أن أعظم ما يمنح الجيش معناه الحقيقي ليس فقط جاهزيته ولا إشعاعه، بل حجم التضحيات التي قدمها رجاله ونساؤه في صمت وتجرد.
ومن هنا، لا يكتمل أي حديث عن الذكرى الـ 70 لتأسيس القوات المسلحة الملكية من دون وقفة تقدير وإجلال لأرواح شهداء الواجب. أولئك الذين كتبوا بدمهم أن خدمة الوطن ليست شعارا، بل التزاما قد يبلغ منتهاه في بذل الحياة نفسها دفاعا عن الأرض والسيادة والكرامة الوطنية. إن الوفاء لهؤلاء الشهداء ليس مجرد لفتة رمزية، بل هو اعتراف بأن الأوطان القوية تبنى أيضا بتضحيات رجال اختاروا أن يكونوا في الخط الأول، وأن يحملوا عبء الحماية حين يكون الخطر محدقا.
وإذا كانت القوات المسلحة الملكية تمثل درع المغرب في وجه الأخطار التي تستهدف سيادته ووحدته، فإن الأمن الوطني يمثل بدوره درع الاستقرار داخل المجتمع، والحارس اليومي للنظام العام، وهيبة القانون، والطمأنينة العامة. فالشرطة في المغرب ليست مجرد جهاز لتطبيق القانون بالمعنى الإداري الضيق، بل هي مؤسسة مواطنة تجعل الدولة حاضرة في الفضاء العام، وتحمي المواطنين في حياتهم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
