حين كانت الأمم تبحث عن طريقها في ظلمات الجهل، كانت الجامعات تُشبه النجوم البعيدة؛ لا تُسمع ضوضاؤها، لكن يُهتدى بها في التيه. لم تكن الجامعة يومًا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات أو تُدير الجداول الدراسية، بل كانت عقل الأمة المفكر، وضميرها النقدي، ومصنع نخبها الحضارية. هناك وُلدت الفلسفات الكبرى، وتشكّلت النظريات العلمية، ونمت الأفكار التي غيّرت وجه العالم. فالجامعة في معناها العميق ليست بناءً تُرفع فوقه اللافتات، بل رسالة تُبنى بها الحضارات.
غير أن المتأمل في واقع كثيرٍ من جامعاتنا اليوم يدرك حجم الفجوة بين الفكرة العظيمة والواقع المرتبك. لقد فقدت بعض إدارات الجامعات بوصلتها المؤسسية، وانشغلت عن رسالتها التعليمية والبحثية بقشور الإدارة ومظاهرها؛ حتى غدت الجامعة في بعض صورها جهازًا بيروقراطيًا ضخمًا، يستهلك الموارد أكثر مما يُنتج المعرفة، ويُرهق الدولة أكثر مما يُسهم في نهضتها.
إن الأزمة لم تعد أزمة تمويل أو إمكانات فحسب، بل أزمة فلسفة وهوية. فحين تفقد الجامعة إدراكها لسبب وجودها، تبدأ رحلة التآكل البطيء؛ إذ تتحول الأولويات من بناء الباحث إلى صناعة التقارير، ومن إنتاج المعرفة إلى إدارة المناسبات، ومن تطوير العقل النقدي إلى تضخيم الهياكل الإدارية. وهنا تصبح الجامعة مشغولةً بتوافه الأمور، تُلاحق المظاهر وتُهمل الجوهر، حتى يبدو المشهد وكأن الإدارة أصبحت غايةً قائمة بذاتها، لا وسيلة لخدمة العلم.
وقد أدرك الفيلسوف الألماني هذه الحقيقة مبكرًا حين أسّس فلسفة الجامعة الحديثة في ألمانيا، فكان يؤمن بأن الجامعة لا تُقاس بعدد طلابها أو مبانيها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة الحرة. وكان يقول: «غاية الجامعة ليست تلقين المعلومات، بل البحث المستمر عن الحقيقة».
وهذه العبارة تختصر الفرق الجوهري بين الجامعة الحية والجامعة الميتة؛ فالجامعة الحية تسأل، وتبحث، وتُشكك، وتُنتج، أما الجامعة التي فقدت رسالتها فتتحول إلى أرشيف إداري هائل، يتحرك كثيرًا لكنه لا يصنع أثرًا حقيقيًا.
ولعل أخطر ما أصاب بعض إدارات الجامعات هو الخلط بين «الإدارة الأكاديمية» و«العقلية البيروقراطية». فالإدارة الأكاديمية الحقيقية تُهيئ البيئة للبحث والإبداع، بينما البيروقراطية تُغرق الأكاديمي في التعقيدات والإجراءات. ولذلك أصبح الأستاذ الجامعي في بعض المؤسسات يقضي وقتًا طويلًا في تعبئة النماذج، ورفع التقارير، ومتابعة المنصات الإلكترونية، أكثر مما يقضيه في القراءة والبحث والإنتاج العلمي.
وقد عبّر المفكر الإداري عن هذا الخلل بدقة حين قال: «ليس هناك ما هو أكثر عبثًا من أداء عملٍ لا ينبغي القيام به أصلًا بكفاءةٍ عالية».
فبعض الجامعات تُتقن إدارة التفاصيل الصغيرة، لكنها تُخفق في رسالتها الكبرى. تُنجز المعاملات بسرعة، لكنها تعجز عن بناء باحثٍ عالمي. تُقيم المؤتمرات الاحتفالية، لكنها لا تُنتج بحثًا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
