لم تعد أزمة الذكاء الاصطناعي محصورة في بطاقات الرسوميات أو شرائح الخوادم فقط؛ فموجة الطلب الهائل على مراكز البيانات بدأت تضغط أيضاً على مكونات تبدو للمستخدم العادي أكثر قرباً من حياته اليومية، مثل أقراص التخزين SSD. وفي اليابان، أحد أكثر أسواق الإلكترونيات حساسية لتقلبات الأسعار، تحولت بعض أقراص Samsung عالية السعة إلى مثال صارخ على هذا التحول، بعدما قفزت أسعارها بشكل حاد وصل، حسب تقارير متخصصة، إلى مستويات تفوق بكثير ما كان يتوقعه المستهلكون قبل أشهر قليلة.
بحسب تقرير Akiba PC Hotline المتخصص في متابعة أسعار مكونات الحاسوب في سوق أكيهابارا الياباني، شهدت أقراص SSD من سامسونغ موجة زيادات متكررة، وصلت في بعض الحالات إلى ارتفاع تراكمي يتجاوز 300% منذ بداية السنة. المثال الأكثر لفتاً كان Samsung 9100 PRO بسعة 8 تيرابايت، إذ ظهر في بعض المتاجر بسعر يقارب 547,980 يناً، أي ما يقترب من 3,500 دولار وفق تقديرات متداولة في الصحافة التقنية.
ورغم أن التقرير أشار أيضاً إلى وجود سعر أدنى في بعض المتاجر دون هذا المستوى، فإن وجود عروض متعددة تقارب 550 ألف ين يعكس حالة توتر واضحة في السوق، خاصة بالنسبة للمستخدمين الذين يحتاجون إلى سعات تخزين كبيرة للألعاب، تحرير الفيديو، العمل الاحترافي أو بناء محطات عمل عالية الأداء.
أهمية الرقم لا تأتي فقط من كونه مرتفعاً، بل من كونه يخص منتجاً استهلاكياً كان من المفترض أن يصبح أقل سعراً مع مرور الوقت. فقرص Samsung 9100 PRO 8TB ينتمي إلى فئة PCIe 5.0 NVMe، ويقدم سرعات قراءة وكتابة تسلسلية تصل، حسب بيانات سامسونغ الرسمية، إلى 14,800 و13,400 ميغابايت في الثانية، وهي مواصفات تجعله موجهاً للمستخدمين المحترفين واللاعبين وصناع المحتوى.
لكن عندما يصبح قرص واحد بسعة 8 تيرابايت قريباً من سعر حاسوب محمول قوي أو منصة ألعاب كاملة، فإن ذلك يطرح سؤالاً أوسع: هل بدأت موجة الذكاء الاصطناعي تنتقل من غرف الخوادم إلى جيوب المستهلكين؟
السبب الأكبر خلف هذه الموجة يرتبط بسوق NAND Flash، وهي الذاكرة الأساسية التي تعتمد عليها أقراص SSD. شركة TrendForce للأبحاث توقعت أن ترتفع أسعار عقود NAND Flash بنحو 70% إلى 75% خلال الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع السابق، مشيرة إلى أن الطلب القادم من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يدفع الشركات إلى توجيه جزء أكبر من الإنتاج نحو أقراص التخزين المؤسسية مرتفعة الربحية.
هذا التحول يعني أن المستهلك العادي لا ينافس فقط مستخدمين آخرين على أقراص التخزين، بل ينافس أيضاً مراكز بيانات ضخمة تحتاج إلى كميات هائلة من الذاكرة السريعة لتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي، التخزين السحابي، وتحليل البيانات. وكلما اتجه المصنعون إلى تفضيل عقود الخوادم والمؤسسات، تقل مرونة الأسعار في السوق الاستهلاكية.
الارتفاع اللافت ظهر بقوة في اليابان، لكنه لا يبدو معزولاً تماماً. تقارير الأسعار في أوروبا والولايات المتحدة تشير إلى أن بعض أقراص 8 تيرابايت تباع بأسعار أقل بكثير من السوق اليابانية، لكنها أعلى من مستويات الإطلاق الأولى أو من الأسعار التي اعتاد عليها المشترون قبل موجة نقص الذاكرة. لذلك، يمكن القول إن اليابان تقدم صورة مكبرة لأزمة عالمية، لا حالة محلية منفصلة بالكامل.
ومع ذلك، يجب التعامل مع الأرقام بحذر: أسعار التجزئة تتغير بسرعة، وقد تختلف بين متجر وآخر حسب المخزون، الضرائب، تكاليف الاستيراد، وسلوك الموزعين. لذلك لا يعني وصول بعض العروض إلى 3,500 دولار أن كل الأسواق ستصل فوراً إلى السعر نفسه، لكنه مؤشر قوي على حجم الضغط الذي تعيشه سلسلة التوريد.
بالنسبة للمستخدمين الذين يخططون لترقية التخزين قريباً، قد يكون من الحكمة مقارنة الأسعار جيداً وعدم التسرع في شراء السعات الكبيرة إن لم تكن الحاجة عاجلة. أما المستخدمون المحترفون الذين يعتمدون على تحرير فيديو 4K و8K أو مشاريع الذكاء الاصطناعي المحلية أو مكتبات ألعاب ضخمة، فقد يجدون أنفسهم أمام خيارات أصعب: دفع سعر مرتفع الآن، أو الانتظار مع احتمال استمرار الأزمة.
كما قد يدفع هذا الوضع بعض المشترين إلى حلول بديلة، مثل توزيع البيانات على أكثر من قرص بسعات أصغر، استعمال وحدات تخزين خارجية، أو الاعتماد على التخزين السحابي في بعض المهام، رغم أن كل حل له كلفته ومحدوديته الخاصة.
ارتفاع أسعار SSD في اليابان ليس مجرد خبر عن منتج باهظ، بل إشارة إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي يعيد رسم سوق الذاكرة والتخزين على مستوى عالمي. وإذا استمر الطلب المؤسسي على NAND Flash بهذا الزخم، فقد تصبح مكونات الحاسوب التي كانت تعرف بانخفاض تدريجي في الأسعار أكثر عرضة للتقلب، خصوصاً في الفئات عالية السعة والأداء.
وبينما تبقى الأسعار قابلة للتغير من يوم إلى آخر، فإن الرسالة الأوضح للمستهلكين وصناع المحتوى والمهنيين هي أن التخزين لم يعد عنصراً ثانوياً في معادلة التقنية، بل أصبح جزءاً مباشراً من معركة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
