تطور الألعاب الإلكترونية في المغرب.. صناعة صاعدة أم مجرد موجة شبابية؟

لم تعد الألعاب الإلكترونية في المغرب مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء الوقت أمام الهاتف والحاسوب. خلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه الثقافة الرقمية تتحول تدريجياً إلى قطاع منظم، يجمع بين الرياضات الإلكترونية، صناعة المحتوى، البرمجة، التصميم، التكوين، وتنظيم المعارض والمسابقات.

هذا التحول يطرح سؤالاً مهماً: هل يستطيع المغرب أن يحول شغف ملايين الشباب بالألعاب إلى صناعة حقيقية تخلق فرص شغل وتفتح أبواباً جديدة للاقتصاد الرقمي؟ أم أن القطاع ما يزال في بداياته ويحتاج إلى رؤية أكثر وضوحاً واستثماراً طويل النفس؟

توسع استعمال الهواتف الذكية والإنترنت غيّر علاقة الشباب المغربي بالألعاب الإلكترونية. فبعدما كانت الألعاب مرتبطة أساساً بأجهزة محدودة أو قاعات الألعاب، أصبحت اليوم متاحة عبر الهاتف المحمول والحاسوب والمنصات المنزلية، ما جعلها جزءاً من الثقافة اليومية لجيل جديد شديد الارتباط بالعالم الرقمي.

وتشير تقديرات مهنيين في القطاع، أوردتها تقارير حديثة، إلى أن المغرب قد يضم ما بين 8 و10 ملايين لاعب منتظم خلال سنة 2025، مع هيمنة واضحة للألعاب على الهاتف المحمول، وهو القطاع الذي يمثل أكثر من نصف السوق العالمية للألعاب. هذه الأرقام تبقى تقديرية وليست إحصاءً رسمياً شاملاً، لكنها تكشف حجم القاعدة الجماهيرية التي يمكن أن ينطلق منها المغرب لبناء صناعة محلية.

ولا يتعلق الأمر باللعب فقط. فحول هذه القاعدة تظهر أنشطة جديدة: بث مباشر، صناعة محتوى، مسابقات، فرق إلكترونية، تصميم شخصيات، برمجة، تسويق، تعليق رياضي، إنتاج موسيقى ومؤثرات، وحتى تنظيم فعاليات كبرى.

أبرز مؤشر على انتقال الألعاب الإلكترونية من الهواية إلى المجال المنظم هو إطلاق Morocco Gaming Expo. وزارة الشباب والثقافة والتواصل تقدم هذا المعرض باعتباره موعداً مخصصاً لعشاق ومحترفي صناعة الألعاب بالمغرب، وانطلقت نسخته الأولى في الرباط من 24 إلى 26 ماي 2024.

وفي سنة 2025، نظمت الوزارة النسخة الثانية من المعرض من 2 إلى 6 يوليوز بالرباط، مع برمجة مسابقات وطنية في الرياضات الإلكترونية، ووصفتها بأنها أكبر منافسة وطنية في هذا المجال، تضم ألعاباً بارزة لدى الجمهور.

أما النسخة الثالثة من Morocco Gaming Expo فمبرمجة من 20 إلى 24 ماي 2026 بالرباط، وفق الموقع الرسمي للمعرض، ما يؤكد أن الأمر لم يعد حدثاً عابراً، بل صار جزءاً من محاولة بناء منظومة سنوية تجمع اللاعبين، المطورين، الشركات، المدارس، والمستثمرين.

الأهمية الحقيقية لا تكمن في عدد اللاعبين فقط، بل في انتقال المغرب من بلد يستهلك الألعاب إلى بلد يحاول إنتاجها. وكالة أسوشيتد برس نقلت في يوليوز 2025 أن المغرب يعمل على بناء صناعة محلية للألعاب عبر مركز للمطورين في الرباط، وبرامج تكوين في تصميم الألعاب والبرمجة والواقع الافتراضي، إضافة إلى مشروع Rabat Gaming City باستثمار يقارب 26 مليون دولار، يضم فضاءات للتكوين والعمل المشترك واستوديوهات إنتاج.

المصدر نفسه أشار إلى أن مسؤولين مغاربة يتحدثون عن صناعة ألعاب تحقق حالياً أكثر من 500 مليون دولار سنوياً، مع هدف مضاعفة هذا الرقم بحلول 2030. كما ربطت التصريحات الرسمية هذا الرهان بخلق فرص شغل جديدة للشباب وتنويع الاقتصاد، في بلد يواجه فيه الشباب تحديات واضحة في سوق العمل.

هذه النقطة مهمة جداً: المغرب لا يريد فقط أن يكون سوقاً تبيع فيه الشركات الأجنبية ألعابها، بل يسعى إلى تكوين مطورين ومصممين ومبدعين قادرين على إنتاج ألعاب محلية أو المشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية.

الرياضات الإلكترونية، أو E-sport، تمثل الوجه الأكثر ظهوراً لهذا التحول. الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية تعرف مهمتها في تطوير الرياضات الإلكترونية والترويج لها وتأطيرها داخل المغرب، مع إدماج قيم الالتزام والتضامن والثقافة.

كما يوضح الموقع الرسمي للجنة الوطنية الأولمبية المغربية أن الجامعة الملكية المغربية للألعاب الإلكترونية تعمل على تطوير وتشجيع وتنظيم وتأطير الألعاب الإلكترونية والرياضات الإلكترونية بالمغرب، ويرأسها هشام الخليفي.

وفي سنة 2025، أعلنت الجامعة عن رزنامة التصفيات الجهوية المؤهلة لمسابقات دولية تابعة للاتحاد الدولي للرياضات الإلكترونية، بما في ذلك منافسات في ألعاب تنافسية مثل Counter-Strike 2. هذا النوع من التصفيات يبين أن المجال يتحرك من اللعب الفردي نحو مسابقات منظمة، تمثيل جهوي، وربما تمثيل وطني في تظاهرات دولية.

هناك أسباب واضحة وراء سرعة انتشار الألعاب الإلكترونية في المغرب. أولها أن الهاتف الذكي جعل الوصول إلى الألعاب سهلاً وقليل الكلفة مقارنة بفترات سابقة. وثانيها أن الشباب المغربي يتابع نفس المنصات العالمية، ويتأثر بنفس ثقافة البث المباشر والمنافسة والمحتوى القصير.

وثالثها أن الألعاب لم تعد مجرد منتج ترفيهي، بل أصبحت فضاء اجتماعياً. كثير من الشباب لا يلعبون فقط للفوز، بل للتواصل، بناء فرق، مشاركة تجارب، متابعة مؤثرين، واكتساب مهارات رقمية بشكل غير مباشر.

غير أن هذا النجاح لا يعني أن كل لاعب يمكن أن يصبح محترفاً أو مطوراً. فالاحتراف في الألعاب الإلكترونية يحتاج إلى تدريب، انضباط، معرفة تقنية، لغة، أدوات، وتوازن صحي ونفسي. أما صناعة الألعاب فتحتاج إلى تكوين أكاديمي ومهارات في البرمجة، التصميم، السرد، الصوت، التسويق، وإدارة المشاريع.

تطور الألعاب الإلكترونية يمكن أن يفتح أمام المغرب عدة فرص.

أولاً، خلق فرص شغل رقمية. صناعة لعبة واحدة تحتاج إلى مبرمجين، مصممين، رسامين، كتاب سيناريو، مصممي صوت، مختبري جودة، ومسوقين.

ثانياً، تصدير خدمات رقمية. يمكن للمواهب المغربية أن تشتغل مع استوديوهات أجنبية في البرمجة أو التصميم أو الاختبار عن بعد، كما يحدث في قطاعات رقمية أخرى.

ثالثاً، تنشيط صناعة المحتوى. البث المباشر، التعليق، التحليل، التغطيات، وصناعة الفيديوهات حول الألعاب أصبحت جزءاً من الاقتصاد الرقمي.

رابعاً، تنشيط السياحة والفعاليات. تنظيم معارض ومسابقات كبرى يجلب جمهوراً وشركات ومؤثرين، ويمكن أن يعزز صورة المغرب كوجهة للابتكار الرقمي.

خامساً، إنتاج ألعاب بهوية مغربية. هنا توجد فرصة ثقافية كبيرة: ألعاب مستوحاة من التاريخ المغربي، المدن العتيقة، الصحراء، الأطلس، التراث الأمازيغي، الحكايات الشعبية، أو القصص الحديثة.

إذا أراد المغرب أن يحول الألعاب الإلكترونية إلى صناعة حقيقية، فالتكوين سيكون العنصر الحاسم. فالسوق لا تحتاج فقط إلى لاعبين، بل إلى مطورين ومهندسين ومصممين وفنانين رقميين ومديري مشاريع.

لهذا تكتسي برامج التكوين في تصميم الألعاب والبرمجة والواقع الافتراضي أهمية كبيرة. وكالة أسوشيتد برس أشارت إلى أن المغرب أطلق برامج تكوين مرتبطة بتصميم الألعاب والبرمجة والواقع الافتراضي، إلى جانب مشروع Rabat Gaming City الموجه لدعم الشركات الناشئة والمواهب.

كما أن مشاركة جامعة محمد الخامس في النسخة الأولى من Morocco Gaming Expo تعكس دخول الجامعة إلى هذا المجال، ولو عبر بوابة التعريف والمشاركة الأكاديمية في المعرض.

غير أن التكوين يجب ألا يبقى محصوراً في الرباط والدار البيضاء. مدن مثل أكادير، مراكش، طنجة، فاس، وجدة والعيون يمكن أن تستفيد من هذا القطاع إذا ارتبط بالتكوين المهني والجامعي، وبحاضنات محلية للمشاريع الرقمية.

بالنسبة لأكادير وسوس ماسة، يمثل تطور الألعاب الإلكترونية فرصة يجب عدم تجاهلها. الجهة تتوفر على جامعة، شباب متصل، طلب متزايد على التكوين الرقمي، وبنية سياحية قادرة على احتضان فعاليات ومعارض ومسابقات.

يمكن لأكادير أن تبني زاوية خاصة داخل هذا القطاع عبر ثلاث واجهات: تكوين الشباب في البرمجة والتصميم، تنظيم مسابقات جهوية في الرياضات الإلكترونية، وربط الألعاب بالثقافة المحلية والسياحة. تخيل مثلاً ألعاباً أو تجارب واقع افتراضي تعرف بتاريخ أكادير أوفلا، تافراوت، تارودانت، أو التراث الأمازيغي بسوس.

هذه ليست فكرة ترفيهية فقط. إنها طريقة جديدة لتسويق المجال، دعم الإبداع المحلي، وإعطاء الشباب فرصة لتحويل مهاراتهم الرقمية إلى مشاريع.

رغم التفاؤل، يواجه القطاع عدة تحديات. أولها التمويل، لأن تطوير لعبة بجودة جيدة يحتاج إلى وقت وفريق وميزانية، ولا يمكن أن يقوم فقط على الحماس الفردي.

ثانيها ضعف الخبرة التجارية. كثير من الشباب قد يمتلكون مهارات تقنية، لكنهم يحتاجون إلى معرفة بالسوق، النشر، التسويق، الملكية الفكرية، وطرق تحقيق الدخل.

ثالثها الحاجة إلى تأطير الرياضات الإلكترونية حتى لا تبقى مجرد بطولات متفرقة، بل تصبح منظومة واضحة: أندية، حكام، مسابقات، حقوق، رعاة، عقود، وحماية للاعبين القاصرين.

رابعها الحماية الرقمية والصحية. فالألعاب يمكن أن تكون مجالاً للتعلم والفرص، لكنها قد تتحول أيضاً إلى استهلاك مفرط إذا غاب التوازن. لذلك من المهم توعية الأسر والمدارس بضرورة تنظيم الوقت، حماية المعطيات الشخصية، مراقبة المشتريات داخل الألعاب، والانتباه إلى المحتوى غير المناسب للعمر.

المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية. العالم ينتج من صناعة الألعاب مداخيل ضخمة، والقطاع لم يعد هامشياً. وكالة أسوشيتد برس أشارت إلى أن سوق الألعاب العالمي يتجاوز 200 مليار دولار سنوياً ويضم حوالي 3 مليارات لاعب عبر العالم، ما يوضح حجم السوق الذي يحاول المغرب دخول جزء منه.

لكن دخول هذا السوق لا يتم بالشعارات. يحتاج المغرب إلى استمرارية في التكوين، حاضنات أعمال، دعم للملكية الفكرية، تمويل للمشاريع الصغيرة، تشجيع الشراكات الدولية، وربط المدارس والجامعات بالمقاولات.

كما يحتاج إلى سياسة جهوية حتى لا يظل القطاع مركزياً في الرباط والدار البيضاء. فالمواهب الرقمية موجودة في كل المدن، والمطلوب هو فتح المسارات أمامها.

تطور الألعاب الإلكترونية في المغرب يعكس تحولاً أوسع في علاقة الشباب بالاقتصاد الرقمي. ما بدأ كهواية على الهاتف أو الحاسوب، أصبح اليوم مجالاً منظماً يجذب الدولة، الجامعات، الشركات، الجامعات الرياضية، والفاعلين الدوليين.

المغرب يمتلك قاعدة واسعة من اللاعبين، ومعارض وطنية متخصصة، جامعة رسمية للألعاب الإلكترونية، برامج تكوين، وطموحاً لبناء صناعة محلية قادرة على خلق فرص شغل. لكنه في المقابل يحتاج إلى تحويل هذا الزخم إلى منظومة إنتاج حقيقية، لا إلى مجرد استهلاك للألعاب الأجنبية أو بطولات مناسباتية.

الرهان الحقيقي هو أن تصبح الألعاب الإلكترونية جسراً بين الترفيه والعمل، بين الشباب والتكنولوجيا، وبين الثقافة المغربية والأسواق العالمية. وإذا نجح المغرب في هذا المسار، فقد تتحول الألعاب من صورة نمطية عن تضييع الوقت إلى قطاع واعد داخل الاقتصاد الإبداعي والرقمي.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 24 دقيقة
منذ 12 ساعة
منذ ساعة
منذ 12 ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
أشطاري 24 منذ 5 ساعات
أشطاري 24 منذ 8 ساعات
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
أشطاري 24 منذ 10 ساعات
Le12.ma منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة