ين عبق التاريخ التليد ونبض الواقع المتجدد تتدفق حكاية الوفاء المغربي تجاه سوريا كأنه نهر لا يعرف الإنقطاع
فبينما كان العَلَم يرتفع ببطء ليصافح الريح بعد عقد من الصمت الحزين.. فالحكاية لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي أو حبر على ورق بل كانت نبضاً يعود لجسدٍ أرهقته المسافات لتبرز الحقيقة الساطعة التي لا تقبل التأويل:
الشعوب لا يفرقها جفاء الحكام وأن الجغرافيا السياسية قد تتغير.. لكن الجغرافيا الروحية تظل ثابتة.
لقد جُبلت بلدنا بملوكها وعراقتها على كبرياءٍ لا يلين في الأزمات لكنها جُبلت أيضاً على قلبٍ لا يوصد بابه في وجه الشقيق.
هذا الرباط ليس وليد اللحظة أو نتاج حسابات الجيوسياسة الضيقة بل يضرب جذوره في أعماق التاريخ السحيق فمنذ أن استنجد صلاح الدين الأيوبي بـالإمبراطورية الموحدية في مراكش لبّى السلطان يعقوب المنصور النداء عام 1138م بأسطول عظيم ساهم في تحرير الشام.
وهي الملحمة التي خلدتها حارة المغاربة في القدس الشريف كوقفٍ أبدي يشهد على نجدة الأقصى.
هذه الشهامة المغربية ظلت هي البوصلة الهادية حين ضاعت الخرائط في العصر الحديث
هي نفسها التي تحركت في تشرين 1973 حين أرسل الملك الراحل الحسن الثاني التجريدة المغربية لتسقي دماء الجنود المغاربة تراب الجولان وجبل الشيخ في معارك شرسة ضد القوات الإسرائيلية.
واليوم حين طويت صفحة القطيعة فإن التاريخ ينحني وفاءً لشارع في مدينة القنيطرة السورية يحمل اسم التجريدة المغربية ويفوح بعطر تضحياتا سكنت الأرض قبل أن يسكنها الدبلوماسيون
وفي ذروة المأساة السورية رفضت الرباط أن تجعل من أنين المستضعفين ورقة في مهب الرهانات الإقليمية لقد سجل التاريخ أن الملك محمد السادس كان القائد الوحيد الذي اقتحم غبار المعاناة بزيارته الرمزية للمستشفى الميداني العسكري بمخيم الزعتري حيث وقف جلالته شخصياً على الأوضاع الصحية للاجئين مقدماً بلسماً مغربياً داوى جراح الغربة لأكثر من 22 ألف مستفيد في لحظة إنسانية فارقة تجاوزت حدود السياسة.
ولم يتوقف هذا الاحتضان المغربي عند حدود المخيمات بل امتد لداخل البيت الداخلي للمملكة ففي الوقت الذي كانت فيه مواقف حزب السوري الحاكم تعادي الوحدة الترابية للمغرب اختارت بلدنا منطق الدولة الأمة الحاضنة ففتحت ذراعيها لليتيم واللاجيء وسويت الوضعية القانونية للأسر السورية فوق أرضها وفي أجواء طبعتها نبل مملكتنا تحول همّ الغربة إلى استقرار وجعلت من الوفاء المغربي رسالة شكر وامتنان صامتة.
إنها قصة الاستثناء المغربي في أبهى تجلياته حيث يذهب العابرون وتبقى الأرض
تذبل مناورات السياسة ويزهر وفاء المؤسسات ليظل المغرب هو ذاك الحضن الدافئ الوفي لعهدٍ كُتب بمداد الأرواح والمستمر بصدق المروءة في وجه كل العواصف الإقليمية.
إنّ استحضار هذه الملاحم التاريخية اليوم ليس مجرد استرجاع للذاكرة.. بل هو تأكيد على استمرارية الوفاء الذي ورثته الأجيال عن الأجداد. فالمغرب بعزة أطلسه وشموخ نخيله يثبت دائماً أنه أرض الرباط التي تظل أبوابها مفتوحة للجميع بقلب إنساني
يستوعب آلام الأشقاء بصدق ومروءة.
ذاك هو فخرنا..
وتلك هي هويتنا بتاريخٌ لا يُكتبُ بالحبر بل بـماء الذهب على صفحات الكرامة
يوسف غريب كاتب صحفي
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
