في خطوة قد تُعيد رسم علاقة المنصات الكبرى مع القوانين الأوروبية والبريطانية، وافقت منصة X، المملوكة لإيلون ماسك، على التزامات جديدة أمام هيئة تنظيم الاتصالات والإعلام البريطانية Ofcom، تستهدف تسريع التعامل مع المحتوى المرتبط بخطاب الكراهية غير القانوني والمحتوى الإرهابي داخل المملكة المتحدة. القرار لا يتعلق بتعديل بسيط في سياسة استخدام، بل يأتي بعد أشهر من الضغط التنظيمي، وفي لحظة يتصاعد فيها النقاش عالمياً حول حدود حرية التعبير ومسؤولية المنصات عن المحتوى الخطير الذي ينتشر بسرعة أمام ملايين المستخدمين.
أعلنت هيئة Ofcom البريطانية، يوم الجمعة 15 ماي 2026، أن منصة X وافقت على تعزيز حماية المستخدمين في بريطانيا من المحتوى غير القانوني، خصوصاً المنشورات المرتبطة بخطاب الكراهية والمحتوى الإرهابي. وبحسب ما نقلته وكالة Reuters، ستعمل المنصة على مراجعة المحتوى المبلغ عنه في هذين المجالين خلال متوسط زمني لا يتجاوز 24 ساعة، مع تقييم ما لا يقل عن 85% من الحالات المشتبه فيها خلال 48 ساعة.
ويمثل هذا الالتزام تحولاً مهماً في طريقة تعامل X مع الضغط التنظيمي البريطاني، خصوصاً أن المنصة دافعت في مراحل سابقة عن مقاربتها باعتبارها أقرب إلى حماية حرية التعبير، بينما تتهمها جهات مدنية وسياسية بالتقصير في مواجهة المحتوى المتطرف والعنصري.
وفق المعطيات المتوفرة، تشمل الالتزامات الجديدة ثلاث نقاط أساسية: تسريع مراجعة المحتوى المبلغ عنه، تقييد الوصول داخل بريطانيا إلى حسابات مرتبطة بمنظمات محظورة بموجب قوانين الإرهاب، وتقديم بيانات أداء ربع سنوية إلى Ofcom خلال السنة المقبلة. كما ستتشاور المنصة مع خبراء خارجيين لتحسين آليات التبليغ، بعد شكاوى من منظمات مدنية قالت إن المستخدمين لا يعرفون دائماً ما إذا كانت بلاغاتهم قد وصلت أو تمت معالجتها.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن الملف لم يعد مجرد خلاف بين منصة ومستخدمين، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع لتنفيذ قانون السلامة على الإنترنت في بريطانيا، الذي يمنح Ofcom صلاحيات أوسع لمحاسبة المنصات الرقمية عند فشلها في تقليل مخاطر المحتوى غير القانوني.
يرتبط التحرك البريطاني بسياق حساس شهد ارتفاعاً في حوادث الكراهية، خصوصاً ضد الجالية اليهودية في المملكة المتحدة. وذكرت Reuters أن الشرطة البريطانية تعاملت مع بعض الحوادث الأخيرة باعتبارها ذات صلة بالإرهاب، ما زاد الضغط على الجهات التنظيمية والمنصات الرقمية لاتخاذ إجراءات أسرع وأكثر وضوحاً.
وقال Oliver Griffiths، مدير مجموعة السلامة على الإنترنت في Ofcom، إن لدى الهيئة أدلة على استمرار وجود محتوى إرهابي وخطاب كراهية غير قانوني في بعض أكبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذا التصريح يعكس أن القضية لا تخص X وحدها، لكنها تبرز بقوة لأنها واحدة من أكثر المنصات حضوراً في النقاشات السياسية والإعلامية.
رحبت بعض الجهات المدنية بالخطوة باعتبارها بداية مهمة، لكنها اعتبرتها غير كافية إذا لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. فقد وصف مسؤولون في منظمات مناهضة للكراهية الالتزامات بأنها بداية جيدة ، مع التأكيد على أن المنصة ما زالت مطالبة بإثبات قدرتها على مواجهة العنصرية والتحريض بطريقة مستمرة، لا عبر وعود تنظيمية فقط.
في المقابل، يظل ملف حرية التعبير حاضراً بقوة. فإيلون ماسك ومنصة X سبق أن انتقدا قوانين السلامة الرقمية في بريطانيا، واعتبرا أن بعض أشكال تطبيقها قد تتحول إلى رقابة مفرطة. لذلك يبقى التحدي الأكبر أمام Ofcom والمنصة هو التمييز بين المحتوى غير القانوني فعلاً، وبين الآراء القانونية، حتى إن كانت حادة أو مثيرة للجدل.
لا تأتي هذه الخطوة بمعزل عن ملفات أخرى تواجهها X. فالمُنظم البريطاني ما زال يحقق في قضايا مرتبطة بأنظمة المنصة لمكافحة المحتوى غير القانوني، إضافة إلى مخاوف حول أداة الذكاء الاصطناعي Grok، بعد تقارير عن استخدامها في إنتاج صور جنسية أو مسيئة. وهذا يعني أن التزام X الجديد بشأن خطاب الكراهية والمحتوى الإرهابي قد يكون جزءاً من علاقة تنظيمية أوسع مع السلطات البريطانية.
كما تواجه المنصة تدقيقاً في الاتحاد الأوروبي وأستراليا وسنغافورة، حيث تبحث الجهات التنظيمية في قدرة X على الحد من المحتوى غير القانوني والمعلومات المضللة والمحتوى المتطرف. وبذلك تتحول القضية إلى اختبار عالمي لكيفية تعامل المنصات الكبرى مع قوانين مختلفة في أسواق متعددة.
بالنسبة للمستخدم العادي، تبدو المسألة تقنية وقانونية، لكنها تؤثر مباشرة في تجربة استعمال المنصات. فإذا نجحت X في مراجعة البلاغات بسرعة أكبر، فقد يقل ظهور المحتوى التحريضي أو المرتبط بمنظمات محظورة أمام المستخدمين في بريطانيا. أما إذا تم التطبيق بشكل واسع أو غامض، فقد تزداد المخاوف من إزالة محتوى قانوني أو تقييد نقاشات عامة مشروعة.
لذلك، لا يتعلق النجاح فقط بسرعة حذف المحتوى، بل أيضاً بجودة القرار، ووضوح أسباب الحذف، وإمكانية الاعتراض، وشفافية التقارير التي ستقدمها المنصة إلى Ofcom.
اتفاق X مع Ofcom لا يحسم معركة السلامة الرقمية في بريطانيا، لكنه يكشف اتجاهاً واضحاً نحو إلزام المنصات الكبرى بمعايير أكثر صرامة عند التعامل مع خطاب الكراهية والمحتوى الإرهابي. وبين من يرى في الخطوة حماية ضرورية للمستخدمين، ومن يخشى توسع الرقابة على التعبير، ستبقى النتائج العملية هي معيار الحكم: هل ستنجح X في تقليل المحتوى غير القانوني فعلاً، أم أن الأمر سيبقى مجرد تعهد جديد تحت ضغط الجهات التنظيمية؟
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
