مكملات غذائية باهظة في دبي.. متى تصبح رفاهية بلا فائدة صحية؟

في مدينة تتداخل فيها الرفاهية مع ثقافة العناية الذاتية، لم تعد المكملات الغذائية مجرد علبة فيتامينات تُشترى من الصيدلية عند الحاجة، بل أصبحت عند بعض المستهلكات جزءاً من روتين يومي طويل: مسحوق للكولاجين، كبسولات للشعر، بروبيوتيك للهضم، مغنيسيوم للنوم، فيتامينات للطاقة، ومركبات تُسوَّق على أنها طريق مختصر نحو بشرة أفضل وجسم أكثر توازناً. لكن السؤال الذي تطرحه تقارير صحية حديثة لم يعد: هل المكملات مفيدة؟ بل: لمن تفيد فعلاً، ومتى تصبح مجرد إنفاق باهظ لا يغيّر شيئاً؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في دبي، حيث تنمو سوق العافية بسرعة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي والعيادات الفاخرة ومتاجر المنتجات الصحية دوراً كبيراً في تشكيل قرارات الشراء. غير أن الخبراء يذكّرون بأن المكمل الغذائي ليس بديلاً عن التشخيص، ولا عن التغذية المتوازنة، ولا عن النوم والحركة وإدارة التوتر. وفي كثير من الحالات، قد تكون المشكلة ليست في المنتج نفسه، بل في استعماله دون تحليل، أو دون معرفة الجرعة، أو دون فهم ما إذا كان الجسم يحتاجه أصلاً.

تقرير حديث نشرته Vogue Arabia سلط الضوء على جانب من هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن بعض النساء في منطقة الخليج ينفقن مبالغ كبيرة على مكملات لا تحقق لهن النتائج المنتظرة. الفكرة الأساسية في التقرير ليست أن كل المكملات بلا قيمة، بل أن طريقة استخدامها قد تكون غير دقيقة، خاصة عندما يتحول القرار إلى استجابة لإعلانات أو نصائح مؤثرين بدل أن يكون مبنياً على فحص طبي أو تقييم غذائي.

وتدعم دراسات أوسع هذا القلق. فدراسة منشورة عن استعمال المكملات الصحية في دبي وجدت أن 37.8% من المشاركين أفادوا بأنهم استخدموا مكملات صحية سابقاً، وكانت الفيتامينات هي الأكثر استعمالاً، بينما كانت دوافع مثل تحسين الصحة العامة أو الوقاية أو التحكم في الوزن حاضرة بقوة. هذه الأرقام تكشف أن المكملات ليست هامشاً صغيراً في نمط الحياة، بل جزء من سلوك استهلاكي واسع يحتاج إلى وعي أكبر.

في بيئة مثل دبي، حيث ترتبط الصحة أحياناً بالصورة، واللياقة، والبشرة، والإنتاجية، قد يصبح من السهل شراء المنتج قبل طرح السؤال الأهم: ما المشكلة التي أحاول حلها؟ وهل تم إثبات وجود نقص غذائي أو حاجة طبية؟

توضح Mayo Clinic أن المكملات الغذائية صُممت لتكملة النظام الغذائي وليس لتعويضه. فإذا كان الشخص يتمتع بصحة جيدة ويتناول نظاماً غذائياً متنوعاً، فقد لا يحتاج إلى مكملات كثيرة. بعض الحالات تحتاج دعماً واضحاً، مثل حمض الفوليك قبل الحمل وأثناء بدايته، أو فيتامين D عند وجود نقص مثبت، أو الحديد عند تشخيص فقر الدم الناتج عن نقص الحديد. أما استعمال مجموعة كبيرة من المنتجات دون سبب محدد، فقد لا يقدم فائدة حقيقية.

المشكلة الثانية أن بعض المنتجات تقدم وعوداً واسعة: طاقة، نوم أفضل، شعر أقوى، بشرة أنقى، مناعة أعلى. لكنها في الواقع قد تحتوي على جرعات صغيرة، أو تركيبات يصعب تقييمها، أو مكونات لا تناسب جميع الأشخاص. كما أن نتائج المكملات تختلف حسب التغذية، الامتصاص، الأمراض المزمنة، الأدوية، ونمط الحياة.

وهنا يظهر الفارق بين المكمل الضروري والمكمل التسويقي. الأول يُستخدم لمعالجة نقص أو حاجة واضحة، والثاني يُشترى غالباً لأن العبوة جذابة، أو لأن منتجاً ما أصبح رائجاً على منصات التواصل.

تحذر هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA من أن المكملات الغذائية قد تحتوي على مكونات ذات تأثير قوي في الجسم، وقد تتفاعل مع الأدوية، أو تؤثر في نتائج التحاليل، أو تزيد مخاطر النزيف، أو تسبب مشكلات أثناء الجراحة. لذلك لا ينبغي التعامل معها كمنتجات تجميلية بسيطة، خصوصاً عند استعمال عدة مكملات في الوقت نفسه.

وتشير NIH Office of Dietary Supplements إلى أن خطر الأعراض الجانبية يرتفع عند تناول جرعات عالية، أو استعمال المكملات بدلاً من الأدوية الموصوفة، أو جمع عدة منتجات دون إشراف. ومن الأمثلة المعروفة أن بعض الأعشاب قد تؤثر في فعالية أدوية القلب أو الاكتئاب أو منع الحمل، بينما قد يسبب الإفراط في بعض الفيتامينات أو المعادن مشكلات صحية بدل الحماية.

هذا لا يعني أن المكملات خطيرة دائماً، لكنه يعني أن كلمة طبيعي لا تكفي كضمان. فالمعيار الحقيقي هو الحاجة، الجرعة، الجودة، والتوافق مع الحالة الصحية.

قد تكون المكملات ضرورية أو مفيدة في حالات محددة: نقص فيتامين D المؤكد بتحليل، فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، الحمل أو التخطيط للحمل، الأنظمة الغذائية النباتية الصارمة التي قد تحتاج فيتامين B12، بعض حالات سوء الامتصاص، أو بعد جراحات معينة تؤثر في امتصاص الغذاء. في هذه الحالات، لا يكون المكمل ترفاً، بل جزءاً من خطة صحية واضحة.

كما قد يستفيد بعض الأشخاص من البروتين أو الألياف أو أحماض أوميغا-3 عند وجود سبب غذائي واضح أو توصية من اختصاصي. لكن حتى في هذه الحالات، تبقى الجرعة وطريقة الاستعمال مهمة. فالمنتج نفسه قد يكون مفيداً لشخص وغير ضروري لشخص آخر.

الأفضل أن يبدأ القرار بسؤال بسيط: هل لدي تحليل أو تشخيص أو سبب واضح؟ إذا كانت الإجابة لا، فقد يكون من الأفضل تحسين الوجبات، النوم، الحركة، وشرب الماء قبل شراء عبوة جديدة.

أول خطأ هو شراء المكمل بسبب الترند. ظهور منتج على إنستغرام أو تيك توك لا يعني أنه مناسب للجسم، ولا أن نتائجه مضمونة. ثاني خطأ هو تكديس منتجات كثيرة في الوقت نفسه، مما يجعل من الصعب معرفة ما الذي أفاد فعلاً وما الذي سبب أعراضاً مزعجة.

ثالث خطأ هو تجاهل الطعام. لا يمكن لكبسولة أن تعوض نظاماً غذائياً فقيراً بالخضروات والبروتينات الجيدة والحبوب الكاملة والدهون الصحية. ورابع خطأ هو استعمال المكملات لتفسير كل تعب أو تساقط شعر أو اضطراب نوم، بينما قد تكون هناك أسباب طبية تحتاج فحصاً، مثل اضطرابات الغدة، نقص الحديد، القلق، أو مشاكل هرمونية.

كما أن بعض الأشخاص ينسون إخبار الطبيب أو الصيدلي بما يتناولونه من مكملات، وهذا قد يكون مهماً جداً قبل العمليات الجراحية، أو عند استعمال أدوية مزمنة.

قبل شراء أي مكمل، من الأفضل قراءة الملصق جيداً: ما المادة الفعالة؟ ما الجرعة؟ هل توجد مكونات مضافة؟ هل المنتج مرخص من جهة موثوقة؟ وهل توجد تحذيرات لفئات معينة مثل الحوامل أو المرضعات أو مرضى الكلى أو الأشخاص الذين يتناولون أدوية سيولة الدم؟

الأكثر أماناً هو سؤال طبيب أو صيدلي أو اختصاصي تغذية، خصوصاً عند وجود مرض مزمن أو استعمال أدوية. كما يُنصح بتجنب المنتجات التي تقدم وعوداً مبالغاً فيها مثل تنحيف سريع ، تنظيف السموم ، تجديد الهرمونات ، أو علاج شامل ، لأن مثل هذه العبارات غالباً تكون تسويقية أكثر من كونها طبية.

في دبي، كما في باقي المدن الكبرى، يمكن للمستهلك أن يجد منتجات راقية ومكلفة جداً. لكن ارتفاع السعر لا يعني دائماً فعالية أعلى. أحياناً يكون أفضل استثمار صحي هو تحليل بسيط، أو استشارة مختص، أو خطة غذائية واقعية بدلاً من شراء سلسلة طويلة من العبوات.

لا يمكن القول إن نساء دبي، أو أي فئة أخرى، يهدرن المال دائماً على المكملات. التعميم غير دقيق وغير عادل. لكن يمكن القول إن جزءاً من الإنفاق على المكملات قد يكون غير ضروري عندما لا يستند إلى حاجة صحية واضحة، أو عندما تدفعه الموضة الرقمية، أو عندما تُستخدم المنتجات كبديل عن أساسيات الصحة.

المكملات قد تساعد عندما تُستعمل في مكانها الصحيح، بجرعة مناسبة، وتحت إشراف عند الحاجة. أما عندما تتحول إلى روتين طويل بلا تشخيص، فقد تكون أقرب إلى رفاهية مكلفة منها إلى خطوة صحية حقيقية. والقاعدة الأبسط تبقى: لا تشتري ما لا تعرف لماذا تحتاجه.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 55 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 7 ساعات
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
بلادنا 24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات