مع اقتراب عيد الأضحى، لا ينشغل المغاربة بثمن الأضحية فقط، بل بسؤال لا يقل حساسية: هل تصل الأضحية إلى المستهلك في ظروف صحية سليمة، بعيدا عن أي ممارسات غير قانونية في التغذية أو التسمين أو النقل؟
هذا السؤال عاد إلى واجهة النقاش البرلماني بعدما وجهت النائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، حول تعزيز مراقبة السلامة الصحية داخل الضيعات ووحدات تسمين الأغنام. ويظهر السؤال في بوابة مجلس النواب تحت رقم 30044، مع الإشارة إلى أنه لم تتم الإجابة عنه بعد إلى حدود ظهور المعطيات المنشورة على البوابة.
وتأتي هذه المبادرة البرلمانية في وقت أعلنت فيه السلطات الفلاحية عن وفرة في العرض الوطني من الأغنام والماعز المخصصة للعيد، مقابل استمرار مخاوف مرتبطة بجودة بعض الأضاحي، واستعمال مواد أو أعلاف غير مراقبة في بعض وحدات التسمين.
دعت النائبة نعيمة الفتحاوي، ضمن سؤالها الكتابي، إلى تعزيز المراقبة داخل الضيعات ووحدات تسمين الأغنام، تزامنا مع اقتراب عيد الأضحى، بما يحمي صحة المستهلك ويعزز الثقة في المنتوج الوطني.
وأشارت النائبة إلى أن تقارير ميدانية تتحدث عن اختلالات في بعض الضيعات ووحدات تسمين الأغنام، من بينها استعمال فضلات الدجاج، أو مواد علفية وبيطرية غير مراقبة، أو غياب شروط صحية ملائمة. هذه المعطيات، وفق السؤال البرلماني، تثير مخاوف بشأن سلامة الأضاحي وجودتها، وتستدعي رقابة صحية أكثر صرامة قبل وصول الأضاحي إلى الأسواق.
وطلبت النائبة من وزارة الفلاحة توضيح الإجراءات المتخذة لتشديد مراقبة السلامة الصحية داخل الضيعات ووحدات التسمين، والتدابير المواكبة لتفادي أي ممارسات غير قانونية أو مضرة بالصحة العامة.
المعطيات الرسمية المعلنة بخصوص عيد الأضحى 1447 هـ تشير إلى أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجهة للعيد يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب متوقع بين 6 و7 ملايين رأس. كما تفيد المعطيات نفسها بأن القطيع الوطني يناهز حاليا 40 مليون رأس، وأن 160 ألف ضيعة لتربية وتسمين الأغنام والماعز تم تسجيلها في إطار الاستعدادات للمناسبة.
غير أن الوفرة العددية لا تجيب وحدها عن سؤال السلامة. فالمستهلك لا يبحث فقط عن أضحية متوفرة، بل عن أضحية سليمة، مرقمة، خاضعة للمراقبة، ومرباة في ظروف لا تمس الصحة العامة.
ولهذا يصبح النقاش البرلماني مهما؛ لأنه ينقل الملف من مستوى الأسعار والتموين إلى مستوى المراقبة الصحية في المنبع، أي داخل الضيعات ووحدات التسمين، قبل أن تصل الأضاحي إلى الأسواق ونقط البيع.
بحسب المعطيات الرسمية المنشورة عبر البوابة الوطنية، قامت مصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية أونسا ، إلى حدود 12 ماي 2026، بأكثر من 3275 عملية مراقبة ميدانية، شملت أخذ عينات من اللحوم، والأعلاف الحيوانية، ومياه توريد الأضاحي، والأدوية البيطرية، وإخضاعها للتحاليل. وأسفرت هذه العمليات، المنجزة في إطار لجان مختلطة، عن تحرير 10 محاضر مخالفة.
كما أعلنت المعطيات نفسها وضع قيود صارمة على نقل مخلفات الدواجن، عبر إقرار الترخيص المسبق من المصالح البيطرية، بهدف تتبع مسارها ووجهتها، والوقاية من أي استعمال غير قانوني في تسمين القطيع.
هذه الإجراءات تؤكد أن السلطات المختصة تعتبر ملف الأعلاف ومخلفات الدواجن نقطة حساسة في مراقبة الأضاحي. لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالا عمليا: هل تكفي المراقبة المعلنة لتغطية جميع الضيعات ووحدات التسمين، خصوصا مع ارتفاع حركة القطيع قبل العيد؟
يثير موضوع فضلات الدواجن حساسية خاصة لأنه يرتبط مباشرة بما يستهلكه الحيوان قبل أن يصل لحمه إلى المستهلك. وعندما يتم استعمال مواد غير مراقبة أو خارج المساطر القانونية، فإن ذلك يخلق مخاطر صحية، ويضعف ثقة المواطن في سلسلة الإنتاج.
ولا يمكن الجزم، دون نتائج رسمية منشورة ومفصلة، بحجم انتشار هذه الممارسة أو نسبتها داخل الضيعات. غير أن مجرد إدراج قيود خاصة على نقل مخلفات الدواجن، كما أعلنت الجهات المختصة، يكشف أن الموضوع يستدعي تتبعا دقيقا ومسارا واضحا من المصدر إلى الوجهة.
المطلوب هنا ليس إثارة الهلع، بل تقوية الشفافية. فالمواطن يحتاج إلى معرفة أن الأضاحي التي تصل إلى الأسواق خضعت للمراقبة، وأن أي مواد علفية أو بيطرية مستعملة داخل وحدات التسمين تدخل ضمن مسارات قانونية وصحية مضبوطة.
غالبا ما يرى المواطن المراقبة في الأسواق ونقط البيع، لكنه لا يرى ما يحدث قبل ذلك داخل وحدات التسمين. وهنا تكمن أهمية السؤال البرلماني، لأنه يركز على المراقبة في المنبع، لا فقط عند لحظة البيع.
فإذا كانت الأضحية قد مرت بمرحلة تسمين غير سليمة، فإن مراقبتها في السوق قد لا تكون كافية لكشف كل الممارسات السابقة. لذلك تحتاج سلامة الأضاحي إلى سلسلة مراقبة متكاملة تشمل الضيعات، الأعلاف، الأدوية البيطرية، مياه التوريد، النقل، الترقيم، ونقط البيع.
وتشير المعطيات الحكومية إلى تعزيز نقاط بيع الماشية بالوسط الحضري في إطار تنظيم عملية البيع وتقريب العرض من المستهلك، لكن التنظيم اللوجستي لا يغني عن التدقيق الصحي السابق على عملية البيع.
يرتبط عيد الأضحى بثقة خاصة بين المربي والمستهلك. الأسرة تشتري أضحية قد تكون مكلفة بالنسبة لميزانيتها، وتفترض أنها سليمة وصالحة، بينما يحتاج الكسّاب الجاد إلى حماية سمعته من ممارسات معزولة قد تسيء إلى القطاع كله.
لهذا، فإن تعزيز المراقبة لا يخدم المستهلك فقط، بل يخدم المربين الملتزمين أيضا. فكلما كانت المراقبة صارمة وواضحة، زادت الثقة في المنتوج الوطني، وتراجعت الشكوك التي قد تنتشر بسرعة في مواقع التواصل مع اقتراب العيد.
كما أن إعلان نتائج المراقبة بطريقة مفهومة للمواطن يمكن أن يخفف القلق. فالأرقام العامة مهمة، لكنها تحتاج إلى شرح: أين تمت المراقبة؟ ما نوع المخالفات؟ هل تخص الأعلاف أم الأدوية أم شروط الصحة؟ وما الإجراءات المتخذة بعد تحرير المحاضر؟
في سياق ارتفاع كلفة المعيشة، لا يستطيع المواطن أن يتحمل خسارة أضحية غير سليمة. فالمشكلة هنا لا تتعلق فقط بالصحة، بل كذلك بالقدرة الشرائية. عندما تدفع الأسرة مبلغا كبيرا لاقتناء الأضحية، فإنها تنتظر منتوجا سليما يضمن لها الحد الأدنى من الأمان والثقة.
ولهذا تصبح المراقبة الصحية جزءا من حماية المستهلك اقتصاديا واجتماعيا. فالسوق الذي تتوفر فيه الأضاحي، لكنه يترك شكوكا حول جودتها، يضاعف الضغط على الأسر ويجعلها تتردد بين السعر والجودة والخوف من الغش.
ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة تعزيز المراقبة داخل الضيعات ووحدات التسمين مرتبطة مباشرة بمطلب اجتماعي أوسع: عيد بأقل ضغط، وبأقل غموض، وبثقة أكبر في المنتوج الوطني.
قبل اقتناء الأضحية، يحتاج المواطن إلى الانتباه إلى مصدرها، وترقيمها، وحالتها الصحية العامة، مع تفادي الشراء من مسارات غير واضحة. كما ينبغي التعامل بجدية مع أي علامات غير طبيعية، سواء في سلوك الحيوان أو مظهره أو ظروف عرضه.
وفي حال وجود شكوك، يبقى التبليغ لدى المصالح المختصة أو السلطات المحلية ضروريا، لأن المراقبة لا تنجح بالمؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضا إلى يقظة المواطن والمربين والباعة المنظمين.
كما أن اختيار نقط البيع المنظمة يقلل من المخاطر، خاصة إذا كانت الأضاحي مرقمة وخاضعة لمسار مراقبة واضح. ولا ينبغي أن يدفع البحث عن ثمن أقل المواطن إلى اقتناء أضحية من مصدر غير معروف.
يبقى السؤال الكتابي الموجه إلى وزير الفلاحة مناسبة لانتظار جواب رسمي مفصل حول حجم المراقبة داخل الضيعات ووحدات التسمين، وطبيعة التدابير المعتمدة لضبط استعمال الأعلاف والمواد البيطرية، وكيفية تتبع مخلفات الدواجن، والإجراءات المتخذة ضد المخالفين.
وإلى حين صدور الجواب، يمكن القول إن الملف لم يعد مجرد نقاش موسمي حول أسعار الأضاحي، بل أصبح سؤالا عن سلامة السلسلة كلها: من الضيعة إلى السوق، ومن العلف إلى المستهلك.
سلامة الأضاحي لا تقل أهمية عن وفرتها. فالعيد لا يكتمل بمجرد وجود قطيع كاف في الأسواق، بل يحتاج إلى ثقة في مصدر الأضحية، وفي طريقة تسمينها، وفي جودة الأعلاف، وفي فعالية المراقبة الصحية قبل وصولها إلى المواطن.
السؤال البرلماني الذي وجهته النائبة نعيمة الفتحاوي يضع الإصبع على نقطة حساسة: مراقبة الضيعات ووحدات التسمين قبل العيد. أما المعطيات الرسمية فتؤكد وجود عمليات مراقبة وقيود على نقل مخلفات الدواجن، لكنها تترك المجال مفتوحا أمام مطلب أكبر: مزيد من الشفافية، ومزيد من التتبع، ومزيد من الطمأنة.
في النهاية، لا يريد المواطن أن يسمع فقط أن الأضاحي متوفرة. يريد أن يطمئن إلى أنها سليمة. وبين الوفرة والسلامة، تصنع الثقة الحقيقية في عيد الأضحى.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
