في منتصف القرن السادس عشر، بدت إسبانيا كأنها الدولة الأكثر ثراء وقوة في العالم. فبعد اكتشاف كميات هائلة من الفضة في المستعمرات الأميركية، خصوصا في المكسيك وبيرو خلال أربعينيات القرن السادس عشر، تدفقت الثروات إلى خزائن التاج الإسباني بوتيرة غير مسبوقة.
لكن هذه الثروة التي كان يُفترض أن تمنح الإمبراطورية ازدهارا دائما، ربما كانت في الحقيقة بداية تراجعها الطويل. هذا ما يحاول الباحث ماوريسيو دريليشمان في دراسته «لعنة موكتيزوما... كيف دمّرت فضة أميركا الاقتصاد الإسباني؟» تفسيره من خلال فرضية اقتصادية تُعرف باسم «المرض الهولندي»، التي تربط بين الطفرات المفاجئة في الموارد الطبيعية وبين تدهور القطاعات الإنتاجية الأخرى في الاقتصاد.
لعنة الغزاة الإسبان
يستعيد الباحث في مقدمة الدراسة أسطورة مرتبطة بالإمبراطور الأزتيكي موكتيزوما، الذي يُقال إنه لعن الغزاة الإسبان قبل موته، متنبئا بأن الثروات التي ينهبونها ستجلب لهم المعاناة.
ورغم أن المؤرخين يشككون في صحة هذه الرواية، فإن الدراسة ترى أن ما حدث لإسبانيا لاحقا يجعل الأسطورة ذات دلالة رمزية عميقة، فالثروات المعدنية القادمة من العالم الجديد ربما كانت أحد الأسباب الرئيسية في الركود الاقتصادي الذي أصاب البلاد لاحقا.
لطالما ناقش المؤرخون أسباب التراجع الإسباني في القرن السابع عشر، وغالبا ما جرى التركيز على الإنفاق العسكري المفرط، والحروب المتعددة، والأزمات المالية المتكررة. لكن منذ القرن السادس عشر، بدأ مفكرون إسبان يُعرفون باسم «الأربيتريستاس» في التحذير من أن تدفق الذهب والفضة إلى البلاد قد يحمل آثارا مدمرة على الاقتصاد المحلي.
تدفقات المعادن النفسية
وفي القرن العشرين، أعاد المؤرخ الاقتصادي إيرل هاملتون إحياء هذا النقاش من خلال دراسته الشهيرة حول تدفقات المعادن النفيسة من العالم الجديد، إلا أن معظم الدراسات اللاحقة ركزت على تأثير الفضة في التضخم والأسعار، وأهملت تأثيرها في الإنتاج والتجارة وهيكل الاقتصاد.
هنا تأتي مساهمة الدراسة الحالية، التي تنطلق من نظرية «المرض الهولندي»، وهو مفهوم اقتصادي ظهر بعد ملاحظة تأثير طفرة الغاز الطبيعي في هولندا خلال سبعينيات القرن الماضي.
تقوم الفكرة الأساسية على أن اكتشاف مورد طبيعي ضخم يؤدي إلى تدفق الثروة وارتفاع الإنفاق، ما يرفع أسعار السلع والخدمات المحلية غير القابلة للتجارة الدولية، مثل العقارات والخدمات، في حين تصبح الصناعات القابلة للتصدير أقل قدرة على المنافسة.
ومع مرور الوقت، ينتقل العمال ورأس المال نحو القطاعات غير المنتجة للتصدير، فتتراجع الصناعة والتجارة الخارجية تدريجيا.
عملة عالمية
يرى الباحث أن هذه الآلية تنطبق بشكل كبير على إسبانيا في عصر الإمبراطورية. فالفضة الأميركية لم تكن مجرد معدن ثمين، بل كانت عمليا عملة عالمية تمنح إسبانيا قدرة هائلة على الإنفاق والاستيراد. وبدلا من تطوير قاعدة إنتاجية قوية، أصبحت البلاد تعتمد بصورة متزايدة على الواردات الأجنبية لشراء السلع المصنعة، بينما تركز النشاط الاقتصادي المحلي على القطاعات غير القابلة للتجارة، مثل البناء والخدمات والإدارة الحكومية.
ولتفسير هذه الظاهرة، يطوّر الباحث نموذجا اقتصاديا مفتوحا يحاكي ظروف الاقتصاد الإسباني في القرن السادس عشر.
ويعتمد النموذج على تقسيم الاقتصاد إلى قطاعين: قطاع السلع القابلة للتجارة الدولية، وقطاع السلع غير القابلة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
