بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في قلب المغرب، حيث تمتد سهول سوس وتتعانق الجبال مع الأطلسي، تنمو شجرة ليست كباقي الأشجار. شجرة قاومت الزمن والجفاف والتحولات المناخية، حتى أصبحت رمزاً للحياة والصمود والهوية المغربية. إنها شجرة الأركان، أو كما يحلو للبعض أن يسمي ثمارها: التفاحة الذهبية .
وعندما نستحضر الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، فإننا نستحضر أيضاً حديثه عن المدينة الفاضلة والأراضي الغربية الغامضة التي ارتبطت في بعض التأويلات الحديثة بأقصى غرب العالم المعروف آنذاك. وتذهب بعض القراءات الجديدة والباحثين المهتمين بتاريخ المغرب القديم إلى أن أوصاف تلك الأرض قد تحمل إشارات رمزية إلى منطقة سوس ماسة، بما تختزنه من خصوصية طبيعية وحضارية فريدة.
وفي هذا السياق، يربط بعض المهتمين بين التفاحة الذهبية الواردة في الأساطير المتوسطية القديمة وبين ثمرة الأركان المغربية، تلك الثمرة الصغيرة ذات اللون الذهبي التي لا تنبت إلا في المغرب، وخاصة بمنطقة سوس ماسة. ورغم غياب دليل تاريخي قاطع يؤكد هذا الربط بشكل مباشر، فإن الرمزية تبدو لافتة؛ فالأركان بالفعل ثمرة ذهبية بكل المقاييس: نادرة، ثمينة، ومرتبطة بأرض استثنائية.
والمغرب هو الموطن الأصلي والوحيد لشجرة الأركان في العالم، حيث تشكل غاباتها إرثاً بيئياً وثقافياً فريداً اعترفت به اليونسكو تراثاً إنسانياً عالمياً.
سوس الأرض التي سبقت التاريخ
ولعل ما يمنح هذه الفكرة عمقاً أكبر، هو أن المغرب لم يعد فقط أرض شجرة نادرة، بل أصبح أيضاً أحد أهم مفاتيح فهم تاريخ الإنسانية نفسها. ففي السنوات الأخيرة، هزّ العالم الاكتشاف الأثري في جبل إيغود، حيث أعلن علماء الآثار العثور على أقدم بقايا معروفة للإنسان العاقل، يعود تاريخها إلى أكثر من 300 ألف سنة.
هذا الاكتشاف لم يكن مجرد حدث علمي عابر، بل أعاد رسم خريطة نشأة الإنسان. فبعدما ظلت بعض النظريات تحصر بدايات الإنسان العاقل في مناطق محددة من إفريقيا، جاء المغرب ليؤكد أن هذه الأرض كانت من أقدم مواطن الإنسان العاقل في التاريخ.
ومن هنا، تبدو العلاقة بين التفاحة الذهبية وشجرة الأركان أكثر من مجرد تشبيه شاعري؛ إنها محاولة لربط المغرب بعمقه الحضاري والإنساني، باعتباره أرض البدايات الأولى، وأرض الخصوصية الطبيعية التي لم تتكرر في مكان آخر.
الأركان ذهب المغرب الأخضر
ليست قيمة الأركان في شكلها أو ندرتها فقط، بل في ما تمنحه للإنسان والطبيعة معاً. فمن هذه الثمرة الذهبية يُستخرج زيت يعد من أغلى الزيوت الطبيعية في العالم، حتى أصبح يُعرف عالمياً باسم الذهب السائل . وقد دخل زيت الأركان مجالات التغذية والتجميل والطب التقليدي، وصار سفيراً للمغرب في الأسواق الدولية.
وفي سوس ماسة تحديداً، لم تكن شجرة الأركان مجرد مورد اقتصادي، بل كانت جزءاً من الذاكرة الجماعية للسكان. تحت ظلالها عاشت أجيال، ومنها صُنعت طقوس الحياة اليومية، ومن ثمارها تشكلت حكايات النساء اللواتي حافظن على أسرار استخراج الزيت عبر قرون طويلة.
إنها شجرة تختصر معنى الانتماء؛ جذورها ضاربة في الأرض المغربية كما التاريخ المغربي ضارب في عمق الإنسانية.
المغرب حين يتحول التاريخ إلى هوية
حين يتأمل المرء اليوم هذا الترابط بين التاريخ والطبيعة، بين الإنسان الأول وشجرة الأركان، يدرك أن المغرب ليس مجرد فضاء جغرافي، بل قصة حضارية متواصلة. فهنا عاش الإنسان القديم، وهنا أيضاً نمت شجرة لا توجد إلا في هذه الأرض، وكأن القدر أراد أن يجمع بين أصالة الإنسان وأصالة الطبيعة في مكان واحد.
وربما لهذا السبب تبدو التفاحة الذهبية أكثر من مجرد ثمرة؛ إنها استعارة لوطن كامل، وطن احتفظ بأسراره عبر آلاف السنين، وما يزال يدهش العالم كلما كشف عن صفحة جديدة تاريخه.
في سوس ماسة، لا تنمو أشجار الأركان فقط بل تنمو ذاكرة المغرب أيضاً.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
