في الأسواق المغربية، لا يحتاج انخفاض ثمن الدجاج أو البيض إلى وقت طويل كي يتحول إلى نقاش عام. فهذه المواد لم تعد تفصيلا صغيرا في مائدة الأسر، بل صارت جزءا أساسيا من البروتين اليومي لفئات واسعة، خاصة مع ارتفاع كلفة اللحوم الحمراء وتراجع القدرة الشرائية.
خلال الأيام الأخيرة، تزامن تراجع أسعار الدجاج والبيض مع انتشار نقاش واسع حول ما يعرف بـ نظام الطيبات ، وهو نمط غذائي يضع الدجاج والبيض ضمن قائمة الممنوعات. ومن هنا خرج سؤال مثير: هل تسبب اتباع عدد من المغاربة لهذا النظام في إسقاط أسعار الدواجن والبيض؟
السؤال جذاب، لكنه يحتاج إلى حذر. فالسوق لا يتحرك عادة بسبب عامل واحد، ولا يمكن الجزم بأن نظاما غذائيا متداولا على مواقع التواصل كان وحده وراء تراجع الأسعار، ما لم توجد أرقام موثقة حول حجم متبعيه، وحجم تراجع استهلاكهم، وأثر ذلك على الطلب الوطني.
نظام الطيبات هو نمط غذائي مثير للجدل، اشتهر عبر مواقع التواصل، ويقوم على تقسيم الأطعمة إلى طيبة وأخرى يعتبرها أصحابه خبيثة أو غير مناسبة. ووفق عرض نشرته الجزيرة نت حول هذا النظام، فإن قائمة الممنوعات تشمل البيض بجميع طرق طهيه، والدواجن مثل الدجاج والديك الرومي والبط والأوز، إضافة إلى عدد كبير من الأغذية الأخرى.
غير أن الجدل حول النظام لا يقف عند قوائمه الغذائية فقط، بل يمتد إلى مدى استناده إلى دليل علمي. فقد أوردت الجزيرة نت أن نقابة الأطباء في مصر اعتبرت هذا النظام غير مستند إلى أدلة علمية أو تجارب سريرية معتمدة، في سياق الجدل الذي أعقب وفاة صاحبه ضياء الدين العوضي.
وهنا ينبغي التنبيه إلى نقطة أساسية: هذا المقال لا يقدم نصيحة طبية أو تغذوية. تقييم أي نظام غذائي، خاصة إذا كان يقوم على منع مجموعات غذائية كاملة، يجب أن يتم مع مختصين في التغذية أو الطب، خصوصا بالنسبة للمرضى والحوامل والأطفال وكبار السن.
الربط جاء من تزامن حدثين: انتشار النقاش حول نظام الطيبات من جهة، وتراجع أسعار الدجاج والبيض في الأسواق من جهة أخرى. وبما أن النظام يمنع الدجاج والبيض، اعتبر بعض المتابعين أن انخفاض الطلب من متبعيه قد يكون ضغط على الأسعار.
مواقع محلية نقلت هذا النقاش، مشيرة إلى أن عددا من المغاربة ربطوا بين تراجع أسعار الدجاج والبيض وبين تغير عادات الاستهلاك بسبب هذا النظام. غير أن المصادر نفسها نقلت عن مهنيين أن هذا الربط وحده غير دقيق، لأن السوق تتحكم فيها عوامل أخرى، أبرزها وفرة الإنتاج واستقرار التموين.
بمعنى آخر، يمكن القول إن نظام الطيبات ربما ساهم في خلق نقاش اجتماعي حول الاستهلاك، لكنه لا يكفي وحده لتفسير حركة الأسعار في قطاع ضخم مثل الدواجن والبيض.
حسب معطيات نشرتها هسبريس، تراجعت أسعار بيع دجاج اللحم على مستوى الضيعات إلى ما بين 10.50 و13 درهما للكيلوغرام، بعدما كانت في حدود 16 و17 درهما خلال فترة سابقة. ونقلت الجريدة أن وفرة الإنتاج تقود هذا التراجع في الأسعار.
وتفيد معطيات مهنية أخرى بأن وفرة العرض داخل الأسواق وارتفاع منسوب الإنتاج خلقا نوعا من التوازن بين العرض والطلب، وهو ما ساهم في انخفاض الأسعار. وهذا التفسير يبدو أكثر تماسكا من الناحية الاقتصادية، لأن السعر يتأثر مباشرة بحجم العرض المتاح، وكلفة الإنتاج، والطلب، وتدفق التموين نحو الأسواق.
كما أن الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن كانت قد أكدت، في مارس 2026، أن تزويد السوق الوطنية بلحوم الدواجن وبيض الاستهلاك تم بشكل منتظم وبكميات كافية، وأن المهنيين اشتغلوا على ملاءمة برامج التربية داخل الضيعات وتنسيق حلقات الإنتاج والتوزيع، ما ساعد على استقرار نسبي في الأسعار.
إلى حدود الآن، لم نجد معطيات رسمية أو دراسة سوقية تثبت أن عدد متبعي نظام الطيبات في المغرب بلغ حجما قادرا على خفض الطلب الوطني على الدجاج والبيض بشكل ملموس.
ولكي نثبت هذه الفرضية، نحتاج إلى أرقام مثل:
عدد متبعي النظام في المغرب، حجم استهلاكهم السابق من الدجاج والبيض، نسبة توقفهم عن الاستهلاك، وحصة هؤلاء من الطلب الوطني. دون هذه المعطيات، يبقى الربط بين النظام وانخفاض الأسعار مجرد فرضية اجتماعية متداولة، لا حقيقة اقتصادية مؤكدة.
بل إن المعطيات العامة حول استهلاك المغاربة للدواجن والبيض لا تدعم فكرة تراجع بنيوي واضح في الطلب. فقد نشرت هسبريس، استنادا إلى معطيات القطاع، أن استهلاك الفرد من لحوم الدواجن ارتفع من 20.9 كيلوغراما سنة 2024 إلى 23.6 كيلوغراما سنة 2025، كما ارتفع استهلاك البيض إلى 191 بيضة للفرد سنويا.
هذه الأرقام لا تنفي احتمال وجود تراجع ظرفي أو محلي في الطلب، لكنها تجعل من الصعب القول إن نظام الطيبات قلب سوق الدواجن وطنيا دون أدلة إضافية.
في سوق الدجاج، الدورة الإنتاجية قصيرة نسبيا مقارنة بقطاعات أخرى. فإذا ارتفع عدد الكتاكيت الموجهة للتربية، وتحسنت وتيرة الإنتاج، ووصلت كميات كبيرة إلى السوق في فترة محددة، يمكن أن ينخفض السعر بسرعة، خاصة إذا لم يرتفع الطلب بنفس الوتيرة.
وهذا ما يجعل قطاع الدواجن حساسا جدا لتوازن العرض والطلب. زيادة الإنتاج قد تكون خبرا جيدا للمستهلك لأنها تخفض السعر، لكنها قد تضغط على المربين إذا هبطت الأسعار إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج.
لذلك، فإن تراجع الأسعار لا يعني بالضرورة أن السوق في وضع صحي بالكامل. قد يكون مريحا للمستهلك على المدى القصير، لكنه قد يخلق خسائر للمنتجين إذا طال أو كان حادا، خاصة مع استمرار ارتفاع كلفة الأعلاف والطاقة والنقل.
البيض يرتبط بدوره بمنطق العرض والطلب. عندما يكون الإنتاج وفيرا والتوزيع مستقرا، تميل الأسعار إلى الاستقرار أو التراجع. وأشارت الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن إلى أن أسعار بيع البيض بالتقسيط خلال رمضان تراوحت عموما بين 1.33 و1.50 درهم للوحدة، في سياق تحدثت فيه عن وفرة المنتجات واستقرار نسبي في الأسعار.
وخلال الفترة الأخيرة، تحدثت مواقع محلية عن تراجع أسعار البيض إلى مستويات أقرب إلى درهم واحد في بعض الأسواق، لكنها معطيات سوقية متغيرة حسب المدن ونقط البيع وليست تسعيرة وطنية رسمية ثابتة.
مرة أخرى، يمكن أن يكون تغير العادات الاستهلاكية عاملا مساعدا في بعض الدوائر، لكن التفسير الأقوى، وفق ما توفر من معطيات وتصريحات مهنية، يبقى وفرة الإنتاج واستقرار التموين.
انتشار تفسير الطيبات أسقط الأسعار مفهوم من الناحية الاجتماعية. الناس تبحث عن تفسير قريب وبسيط لظاهرة يومية. وعندما يرى المستهلك أن مادة كان ثمنها مرتفعا بدأت تنخفض، ثم يسمع أن عددا من الأشخاص توقفوا عن استهلاكها، يصبح الربط جذابا وسريعا.
لكن الاقتصاد لا يشتغل دائما بهذا التبسيط. فالسعر نتيجة تفاعل معقد بين الإنتاج، التخزين، النقل، الطلب، الأعلاف، الطقس، المناسبات، التوقعات، وسلوك الوسطاء. لذلك، اختزال انخفاض الدجاج والبيض في نظام غذائي واحد قد يخفي الصورة الحقيقية.
الأدق أن نقول: تزامن انتشار نظام الطيبات مع تراجع أسعار الدجاج والبيض، لكن المعطيات المتاحة لا تثبت أنه السبب الرئيسي.
هذا النقاش ليس ترفا. الدجاج والبيض أصبحا من أهم مصادر البروتين في السلة الغذائية للأسر المغربية، خاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة والفئات محدودة الدخل. لذلك، أي انخفاض في أسعارهما ينعكس مباشرة على ميزانية البيت.
في مدن مثل أكادير وسوس ماسة، حيث تتداخل مصاريف الغذاء مع النقل والكراء والدخول المدرسي وعطلة الصيف، يشكل ثمن الدجاج والبيض مؤشرا يوميا على ضغط المعيشة. فإذا انخفض السعر، تشعر الأسر بتنفس مؤقت. وإذا ارتفع، يظهر الأثر بسرعة في مائدة البيت.
ولهذا ينبغي متابعة أسعار الدواجن لا من باب الفضول فقط، بل كجزء من نقاش أوسع حول القدرة الشرائية، وكلفة البروتين، واستقرار التموين، وحماية المستهلك والمنتج في الوقت نفسه.
من الناحية الصحية، لا يمكن الحكم على أي نظام غذائي من شعبيته على مواقع التواصل. الحميات التي تمنع مجموعات غذائية واسعة تحتاج إلى تقييم علمي دقيق، لأنها قد تؤدي عند بعض الأشخاص إلى اختلالات أو نقص غذائي إذا اتبعت دون مواكبة مهنية.
الجزيرة نت نقلت في تحليلها أن حذف البقوليات ومعظم الخضروات والدواجن، كما يفعل نظام الطيبات، يتعارض مع بنية نمط غذائي يعتبره العلماء متوازنا، كما أشارت إلى أن الحميات ذات قوائم المنع الطويلة تكون عادة موضع شك علمي إذا لم تبن على دراسات سريرية قوية.
لذلك، إذا كان النقاش الاقتصادي حول أثر النظام على السوق غير محسوم، فإن النقاش الصحي يحتاج بدوره إلى حذر أكبر. لا ينبغي تحويل الترند الغذائي إلى قاعدة عامة لكل الناس.
يمكن تأكيد أن أسعار الدجاج والبيض عرفت تراجعا في عدد من الأسواق خلال الفترة الأخيرة، وفق ما نقلته وسائل إعلام ومهنيون. ويمكن تأكيد أن نظام الطيبات أثار نقاشا واسعا لأنه يمنع الدجاج والبيض ضمن قائمة طويلة من الممنوعات.
لكن لا يمكن تأكيد أن هذا النظام هو السبب الرئيسي أو المباشر في انخفاض الأسعار. المعطيات المتوفرة ترجح أن وفرة الإنتاج واستقرار التموين وتوازن العرض والطلب هي العوامل الأقوى في تفسير التراجع.
وهنا تكمن الخلاصة الصحفية الدقيقة: نظام الطيبات قد يكون أثّر في النقاش العام حول الاستهلاك، وربما في اختيارات فئة من الناس، لكن الأسعار في سوق الدواجن لا تسقط عادة بسبب ترند غذائي وحده.
خلاصة المقال لا توجد معطيات موثوقة تثبت أن نظام الطيبات وحده أسقط أسعار الدجاج والبيض في المغرب. التراجع المسجل يرتبط، وفق ما يقوله مهنيون، بوفرة الإنتاج واستقرار التموين أكثر من ارتباطه بتغير غذائي غير موثق رقميا.
نظام الطيبات يمنع الدجاج والبيض، لكنه لا توجد أرقام تؤكد حجم متبعيه أو أثرهم على الطلب الوطني.
المهنيون يرجحون أن وفرة الإنتاج وتوازن العرض والطلب هما السبب الأبرز في انخفاض الأسعار.
الربط بين النظام وتراجع الأسعار يبقى فرضية اجتماعية متداولة، لا حقيقة اقتصادية مثبتة.
الأغلب أن نظام الطيبات لم يسقط الأسعار، لكنه كشف شيئا مهما: المستهلك المغربي صار أكثر حساسية تجاه ما يأكله وما يدفعه. أما السوق، فتظل محكومة بالأرقام الصلبة: الإنتاج، التموين، الكلفة، والطلب الحقيقي.
لذلك، فالسؤال الأهم ليس فقط هل غيّر نظام غذائي أسعار الدجاج والبيض، بل كيف نحافظ على أسعار معقولة دون الإضرار بالمستهلك أو المنتج، ودون تحويل الترندات الغذائية إلى تفسيرات اقتصادية جاهزة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
