بحلول يوم 16 ماي من كل سنة، يستحضر المغاربة جملة من الأحداث التي وشمت ذاكرتهم التاريخية المعاصرة، وعززت تلاحم مقومات هويتهم ووحدتهم الوطنية، ودعمت من إرادتهم الراسخة في محاربة كل أشكال التمييز والكراهية لإرساء مجتمع تسويه مقومات العيش المشترك.
في 16 ماي 1930، تصدى المغاربة قاطبة لمخطط تقسيمي كانت سلطات الحماية الفرنسية، تحت إشراف المقيم العام الفرنسي لوسيان سان (1929-1933)، تنوي زرعه من خلال "الظهير المنظم لسير العدالة في المناطق ذات الأعراف البربرية والتي لا توجد بها محاكم شرعية"، والذي سمي زورا وتعسفا ب "الظهير البربري". لقد خلف هذا الحدث رد فعل قوي في مختلف مدن وقرى المغرب، واعتبرته الحركة الوطنية المغربية آنذاك محاولة من سلطات الحماية الفرنسية لتقسيم المغرب، وهو ما تصدى له الشعب المغربي، ب "أمازيغه" و "عربه" بقوة.
في 16 ماي 1941، ووفقا لوثائق تاريخية، تصدى السلطان محمد الخامس بقوة للقوانين العنصرية التي أرادت بواسطتها سلطات فيشي الإستعمارية ترحيل مواطنين مغاربة من الديانة اليهودية خارج بلدهم المغرب. وقد أظهر السلطان رفضه علانية لهذه القرارات النازية العنصرية حيث أعطى تعليماته لإقامة حفل عيد العرش المجيد من نفس السنة والذي دعا إليه شخصيات يهودية بارزة، وأمر بتمكينهم من الجلوس في مكان الشرف إلى جانب الضباط الفرنسيين، معلنا بذلك رفضه للتمييز بين رعاياه. وقد سجل هذا الموقف التاريخي في برقية بعث بها السلطان محمد الخامس لأحد عملاء نظام فيشي مؤرخة في 24 ماي 1941 وأكد فيها قولته الشهيرة "لا وجود ليهود بالمغرب، بل مغاربة فقط".
في 16 ماي 1956، أعطى الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، تعليماته لإنشاء "المديرية العامة للأمن الوطني"، يومين فقط بعد إنشاء "الجيش الملكي".
أحدثت هاتين المؤسستين شهور قليلة فقط بعد استقلال البلاد لحماية أمن وسلامة الوطن والمواطنين.
وهكذا، تحتفل مؤسستي الجيش الملكي والأمن الوطني في 14 و16 ماي 2026 ب 70 سنة من الإنجازات التي كسبتا بها تقديرا عظيما من قبل مختلف مكونات الشعب المغربي، كما تمكنتا بها من تحقيق إشعاع دولي في مجال دعم السلم والأمن الدوليين ومحاربة مختلف أصناف الجريمة المنظمة العابرة للأوطان وكذا التصدي للإرهاب.
في هذه الذكرى أيضا، يستحضر المغاربة الأحداث الأليمة ل 16 ماي 2003 عندما تعرضت مدينة الدار البيضاء، القلب الاقتصادي للمغرب، لهجمات إرهابية متفرقة نفذتها جماعات متطرفة تابعة ل "تنظيم القاعدة"، وخلفت العديد من القتلى والجرحى. هذه الأحداث الأليمة لم تزد الشعب المغربي إلا تلاحما وإرادة راسخة لمحاربة الإرهاب والتصدي لكل أشكال التطرف العنيف.
لقد شكلت هذه الأحداث حافزا لمختلف السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لوضع خطط وطنية لمحاربة الإرهاب والتطرف العنيف، وذلك وفقا لأحكام الدستور والقوانين الوطنية ذات الصلة وبما يتوافق مع التزامات بلادنا في مجال تعزيز الأمن والسلم وترقية حقوق الإنسان.
ولأجل ذلك، كان المغرب من البلدان السباقة لدعم قرار الأمم المتحدة 72/130 الصادر في 8 دجنبر 2017 والرامي إلى جعل يوم 16 ماي من كل سنة مناسبة للاحتفال ب "اليوم العالمي للعيش المشترك في سلام"، وليكون أداة لحشد الجهود الدولية لتعزيز السلام والتسامح والتعايش ونبذ التمييز والكراهية ومحاربة التطرف والإرهاب.
"16 ماي" هي ذكرى يستحضر فيها المغاربة تضحياتهم من أجل تعزيز تلاحمهم ووحدتهم، وتدعيم أمنهم، وترسيخ قيمهم المبنية على التسامح والعيش المشترك.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى




