ما من شيءٍ في سيرة العلاقات بين الأمم والشّعوب والدّول، في النّظام الدّوليّ القائم، يدلّ على أنّها علاقات تنتظم في نسقٍ جامعٍ يَخْلع عليها طابعاً كونيّاً أو هي تنزع، على الأقلّ، إلى أن تصير كونيّة. الثّابتُ اليوم، وبقوّة أحكام الواقع، أنّها أبعد ما تكون عن الكونيّة بمعناها الفلسفيّ والإنسانيّ حتّى لا نقول إنّها على الطّرف النّقيض منها، الأمرُ الذي يستفاد منه أنّ القول بمزعمة الكونيّة هذه مصروف في مقامٍ أوّل، لأداء خدمة إيديولوجيّة تضليليّة في السّياسات الدّوليّة.
نعم، ظلّت فكرة كونيّة الوجود الإنسانيّ وفي جملتها فكرة القيم والقوانين تخامر البشريّة ومفكّريها منذ زمن، وظلّت تُلْهم أفكاراً كبرى وإيديولوجيّات سياسيّة وتيّارات ثقافيّة وتهذِّب رؤية المجتمعات والثّقافات إلى بعضها، غير أنّ تجارب التّاريخ المعاصر، بما فيها تجربة تكوين نظام دوليّ مؤسّسيّ، أثبتت أنّ بلوغ هذه الكونيّة أمرٌ عسيرُ المنال حتّى لا نقول إنّه مستحيلُ الإمكان. ولقد كان هذا يكفي لأن ينقُل الفكرةَ الكونيّة من الواقع إلى الطّوبى فإلى الوهم: حيث يتولّد الشّرطُ المناسب لتسخيرها في العلاقات السّياسيّة الدّوليّة.
أمّا أنّ الكونيّةَ وهْمٌ، فليس لأنّها مستحيلةُ الإمكان فقط، وإنّما لأنّ ماجريات العلاقات الدّوليّة تميط اللّثام عن حقيقة الفجوة السّحيقة التي تفصل بين الأمم والشّعوب والدّول على صعيد فرص التّنمية والسّلام والرّخاء والاستقرار، على نحوٍ لا يبقى معه مكانٌ لأيّ كلامٍ على كونيّةٍ مزعومة، إذِ المعلوم أنّ التّكافؤ في الفرص بين الأمم شرطٌ لازِب لكلّ كونيّة: وهو غائبٌ، تماماً، في ميدان العلاقات الدّوليّة القائمة على الغَلبة وتفاوُت الحقوق، شأنُها في ذلك شأن العلاقات داخل كلّ اجتماعٍ سياسيّ حاضراً وقبْلاً.
بهذا الاعتبار، لا تعدو الكونيّة أن تكون شعاراً للاستهلاك السّياسيّ ومادّةً للتّسخير الإيديولوجيّ من قِبل القوى الكبرى الماسكة بأزِمّة النّظام الدّوليّ، وهي هكذا هي، اليوم، ستار يخفي خلفه أغراضاً سياسيّة لا علاقة لها بما تعنيه الكونيّةُ من معانٍ. هكذا يسعنا أن نعرِّف الكونيّة، في خطابها الإيديولوجيّ الذي يدّعيها،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
