أصبح الاشتغال على التاريخ المغربي المعاصر والراهن اليوم مرتبطاً، أكثر من أي وقت مضى، بإشكالية الوثيقة والأرشيف؛ ليس فقط باعتبارهما مادة للبحث الأكاديمي، بل بوصفهما أيضاً أداة من أدوات بناء الذاكرة الوطنية وتحصين المواقف القانونية والسيادية للدولة.
هذه النقلة المنهجية التي عرفتها آليات استعمال الوثيقة التاريخية وأبعادها الوظيفية، ساهم في ترسيخها التحول الذي عرفته المؤسسات الوثائقية المغربية، والأدوار المتنامية التي أصبحت تضطلع بها في خدمة البحث العلمي وصيانة الذاكرة الجماعية. وهو ما كشفت عنه التجربة الأكاديمية لمؤلف: “مدينة أبي الجعد والزاوية الشرقاوية: مقاربة تاريخية للحياة الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين”، وذلك من خلال الاعتماد على رصيد متنوع من الوثائق والمخطوطات والصور والأرشيفات الإدارية، تم الحصول على جزء مهم منها من مؤسسات وطنية كبرى، من بينها: الخزانة الحسنية بالقصر الملكي العامر، مديرية الوثائق الملكية، أرشيف المغرب، وأيضاً المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، إلى جانب مؤسسات جامعية وخزائن علمية أخرى.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الدور المتنامي الذي تضطلع به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مجال التوثيق وصيانة التراث المخطوط، خاصة في ظل الاهتمام الذي يوليه الوزير أحمد التوفيق، باعتباره مؤرخاً وباحثاً متخصصاً في تاريخ المغرب والتصوف والزوايا. وقد انعكس هذا التوجه في عدد من المشاريع المرتبطة بفهرسة المخطوطات، وترميم الخزائن العلمية، والعناية بالوثائق الوقفية والزوايا والمكتبات العتيقة.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية الخزائن التابعة لقطاع الثقافة والمؤسسات العلمية التقليدية، وفي مقدمتها جامعة القرويين، بما تضمه من خزائن علمية ووثائق فقهية وقضائية وتاريخية تُعد من أقدم الروافد المعرفية بالمغرب الإسلامي؛ التي يسرت للباحثين الاطلاع على هذا الكنز الوثائقي وساهمت في إعادة توظيفه في أعمال وأبحاث علمية موجهة للعموم.
مع الإشارة إلى أن جزءاً هاماً من الذاكرة الوثائقية المغربية لا يزال محفوظاً داخل خزائن وأرشيفات خاصة وعائلية، لعبت دوراً محورياً في حفظ التاريخ المحلي والوطني، ومن أبرزها:
-خزانة محمد داود، التي تُعد من أهم الأرصدة الوثائقية الخاصة بشمال المغرب وتاريخه الثقافي والسياسي.
-الخزانة الصبيحية، بما تحتويه من مخطوطات ووثائق مرتبطة بتاريخ العدوتين والحياة العلمية بسلا.
-خزانة الزاوية الناصرية، التي تمثل إحدى أهم الخزائن الصوفية والعلمية بالمغرب، وتضم مخطوطات نادرة في الفقه واللغة والفلك والرحلات والتاريخ.
وبعض الخزانات الحزبية.
ولا يقتصر الاهتمام بالوثيقة على المؤسسات المدنية فقط، بل يمتد أيضاً إلى المؤسسة العسكرية، من خلال مديرية التاريخ العسكري، التي تضطلع بدور مهم في حفظ وتوثيق الذاكرة العسكرية للمملكة، وجمع الوثائق المرتبطة بتاريخ القوات المسلحة الملكية، والمقاومة، والتحولات العسكرية والاستراتيجية التي عرفها المغرب المعاصر والراهن. ويكتسي المجهود البحثي لهذه المؤسسة أهمية خاصة في توثيق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
