أثير- د. بسام أبو عبد الله
أستاذ العلاقات الدولية
لم تكن حادثة ضرب الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف بحذائه على طاولة الأمم المتحدة عام 1960 مجرد لحظة غضب عابرة، أو مشهدًا استثنائيًّا من زمن الحرب الباردة، بل كانت لحظة رمزيّة اختزلت ذهنيّة عصر كامل: عالم منقسم إلى معسكرين، وصراع صفري، وقناعة راسخة بأن استعراض القوة قادر على حسم السياسة والتاريخ معًا.
لكن ما جرى في تلك الجلسة لم يكن، كما استقر لاحقًا في الذاكرة العامة، انفجارًا انفعاليًّا بلا سياق، فقد جاءت الحادثة بعد خطاب لمندوب الفلبين لورينزو سومولونغ، اتهم فيه الاتحاد السوفييتي بممارسة شكل من أشكال الاستعمار على دول أوروبا الشرقية، وحرمانها من حق تقرير المصير، الأمر الذي اعتبره خروتشوف اتهامًا مباشرًا ومهينًا، فقاطع المتحدث بعصبيّة، واحتج بصخب، ثم أمسك بحذائه ولوّح به، وضرب به الطاولة في واحدة من أشهر لحظات القرن العشرين إثارةً للجدل.
المفارقة أن ما بقي في ذاكرة العالم لم يكن جوهر النقاش السياسي، بل الحذاء نفسه. فالصحافة الغربية يومها تعاملت مع المشهد باعتباره دليلًا على اندفاع الزعيم السوفييتي وفوضويّته، فيما رأى بعض أنصاره أنه يعكس زعيمًا لا يخشى الغرب، ولا يتردد في المواجهة، لكن الزمن أثبت أن الصورة بقيت، أما الرسالة فضاعت.
الأمر نفسه حدث مع العبارة الشهيرة التي قالها قبل ذلك، في 18 تشرين الثاني 1956، خلال حفل استقبال في السفارة البولندية، حين خاطب ممثلي الدول الغربية بالقول: إذا كنتم لا تحبوننا فلا تقبلوا دعواتنا... سواء أعجبكم أم لا، فالتاريخ يقف إلى جانبنا.. سندفنكم .
هذه العبارة لم تكن تهديدًا نوويًّا مباشرًا كما فُهمت في الغرب، بل تعبيرًا عن يقين أيديولوجي بأن الاشتراكية ستنتصر تاريخيًّا على الرأسمالية، غير أن المشكلة لم تكن في المعنى وحده، بل في أسلوب التعبير عنه؛ فعندما يتحول الأداء إلى استعراض، يبتلع الشكل مضمون الرسالة.
بعد أكثر من نصف قرن، يعود المشهد بصيغة مختلفة مع دونالد ترامب. فهو لا يضرب الطاولة بحذائه، لكنه يستخدم ما يمكن تسميته بـ الحذاء الخطابي : لغة تهديد، وتصنيفات حادة، وميل واضح إلى اعتبار العلاقات الدولية امتدادًا لمنطق القوة والصفقات.
لقد أطلق ترامب عبارات مثل: لدي زر نووي أكبر ، وتحدث مرارًا بمنطق الغلبة لا بمنطق التوازن، لكنه، بخلاف خروتشوف، لا يتحرك من داخل عقيدة تاريخية شمولية، بل من عقلية ترى العالم سوقًا ضخمة: رابحون وخاسرون، وصفقات ناجحة وأخرى خاسرة. ومع ذلك، يشترك الرجلان في نقطة أساسية: الاعتقاد بأن القوة الصلبة وحدها كافية لإخضاع الآخرين.
هنا تحديدًا تبرز أهمية ما طرحه جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشرحه في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان: ملزمة بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية ، ثم لاحقًا في كتابه عام 2004 القوة الناعمة: أدوات النجاح في العلاقات الدولية ، حين عرّف القوة الناعمة بأنها «القدرة على الجذب لا الإكراه». فالقوة ليست فقط قدرةً على الردع، إنها أيضًا قدرة على الإقناع.
خروتشوف، رغم انتقاده لعبادة الفرد ومحاولاته إصلاح الداخل السوفييتي، لم ينجح في جعل النموذج السوفييتي أكثر جاذبيّة. بل ساهمت أزماته المتلاحقة، ولا سيما أزمة الصواريخ الكوبية، في تكريس صورة الاتحاد السوفييتي كقوة مقلقة أكثر منها مُلهِمة.
أما ترامب، فبحسب عدد متزايد من التحليلات الغربية، فإن المشكلة لا تكمن فقط في السياسات، بل في الطريقة التي تُمارَس بها القوة ذاتها. وهنا تكتسب أهمية خاصة قراءة أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي ستيفن وولت، الذي نشر مؤخرًا في مجلة Foreign Policy مقالًا بعنوان: The Decline of American Soft Power أفول القوة الناعمة الأمريكية .
يرى وولت أن الولايات المتحدة لم تفقد عناصر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية
