في الطريق إلى بحيرة بيوا، وفي لقاءٍ جمعنِي بجنرال يابانيٍّ سابقٍ حول القوى المتوسِّطة والقمَّة بين القطبَين الأمريكيِّ والصينيِّ، قال لي: «الأممُ لا تعيشُ بالقوَّةِ وحدهَا، بلْ بطولِ النَّفسِ». كان يصفُ سياسة الجَلَد الإستراتيجيِّ، أو سينرياكوتيكي نينتاي، لليابان حين تُختبر أعصابها وسلاسل إمدادها. قلتُ له: إنَّنا نحتاجُ إلى ما هو أبعد من الاحتمال، نحتاج إلى مرونةٍ إستراتيجيَّة تُخرج القوى المتوسِّطة من الضَّغط بتنظيم لغة التَّعاون البينيِّ، لتصبح قادرةً على الفعل، لا الانتظار. سألني: وماذا عن الأُمَّة العربيَّة؟ قلتُ في نفسي: الأُمَّة العربيَّة؟ كدتُ لا أسمعُ هذا المصطلح في سياقٍ كهذَا!
وحين وصلتُ إلى كوياسان، القمَّة اليابانيَّة المقدَّسة، تلمَّستُ أبعادًا أعمقَ لذلك الحوار. فاليابان لا تُقرأ اليوم من صورتها القديمة وحدها. بعد الحرب العالميَّة الثَّانية، بدا صمتُها الطَّويل كأنَّه سلبيَّةٌ، أو حيادٌ أخلاقيٌّ، لكنَّه كان أيضًا نظامًا صارمًا للخروج من الكارثة: دستور يقيِّد الحرب، وذاكرة تخاف التَّصعيد، واقتصاد يبني القوَّة من المصانع لا من الخطب. غير أنَّ اليابان اليوم تتغيَّر. أمنها لم يعد عسكريًّا فقط، بل صار دفاعًا، وقانونًا، وسلاسل إمداد، وطاقة، ومعادن حرجة، وتكنولوجيا، وقدرة إستراتيجيَّة على ألَّا تكون رهينةً لغيرها.
وهنا تلوح المرآة العربيَّة كما لوحت مياه بيوا-كو. فالأمم تشهدُ تغيُّراتها حين تعترف بالصدمة، وتعيد تعريف ما تخافه، وما تستطيع فعله. ومشكلتنا ليست في ضعف المنظومة وحدها، بل في ضعف اللُّغة التي تصف المؤسَّسة وعملها. صارت عندنا سردِّيات كُبرى لا تحمل حقيقةً كُبرى، وبيانات عالية لا تمنح العقل أملًا صريحًا. وحين تنكسر الصِّلة بين اللُّغة والإدراك، يضيعُ المعنى قبل أنْ تضيع السياسة.
لقد استُنزفت جامعة الدول العربيَّة، واستُنزفت معها فكرة العمل العربيِّ المشترك، لكنَّ الأخطر هو استنزاف اللُّغة الإستراتيجيَّة العربيَّة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
