عززت الإمارات مستويات السيولة داخل القطاع المصرفي خلال مارس الماضي، عبر زيادة الودائع والاقتراض من البنوك المحلية، في إطار تحركات استباقية هدفت إلى احتواء التداعيات المالية والاقتصادية للحرب الإيرانية وضمان استقرار النظام المصرفي خلال فترة التقلبات الإقليمية.
بحسب تقرير نشره موقع AGBI، تزامنت هذه التدفقات مع تعرض قطاعات حيوية في الخليج، تشمل الطاقة والسياحة والضيافة والتجارة، لاضطرابات منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، ما دفع السلطات النقدية والمالية في الإمارات إلى تكثيف أدوات دعم السيولة وتعزيز قدرة البنوك على مواجهة أي ضغوط تمويلية محتملة.
وكان «مصرف الإمارات المركزي» قد أطلق في منتصف مارس حزمة دعم وصفها بأنها «شاملة» لتعزيز «استقرار ومرونة» القطاع المصرفي، فيما تكشف البيانات الأخيرة عن انتقال الدعم من المستوى النقدي إلى تحركات أوسع شملت الحكومة والمؤسسات المرتبطة بالدولة وإعادة توجيه السيولة نحو السوق المحلي.
الإمارات تعتمد برنامجاً لتدريب 80 ألف موظف على تقنيات الذكاء الاصطناعي
ارتفاع قياسي للودائع الحكومية والسيادية
أظهرت بيانات «مصرف الإمارات المركزي» ارتفاع الودائع الحكومية لدى البنوك المحلية بنسبة 9% خلال مارس مقارنة بفبراير، بزيادة بلغت 35 مليار درهم، لتصل إلى 427 مليار درهم، أي نحو 116.3 مليار دولار.
كما ارتفعت «ودائع الجهات الحكومية المرتبطة بالدولة» (GREs) بنحو 51 مليار درهم، أو ما يعادل 16%، لتسجل 363 مليار درهم خلال الفترة نفسها، في مؤشر على تسارع ضخ السيولة السيادية داخل النظام المصرفي.
في موازاة ذلك، قفزت الأموال المستحقة لـ«المصرف المركزي» من البنوك الإماراتية إلى 32 مليار درهم، مقارنة بأقل من مليار درهم سابقاً، بينما خفّض «المركزي» أرصدته الخارجية واستثماراته الأجنبية عبر سحب 27 مليار درهم من الحسابات الخارجية وتقليص الاستثمارات الأجنبية بنحو 53 مليار درهم.
وقال أزاد زنكنة، رئيس قسم اقتصادات الخليج في شركة «أكسفورد إيكونوميكس» (Oxford Economics)، إن السلطات الإماراتية كثفت عمليات «إعادة ضخ السيولة محلياً عبر الحكومة والمؤسسات الحكومية»، موضحاً أن جزءاً من دور صناديق الثروة السيادية يتمثل في الحفاظ على أصول سائلة يمكن إعادة توظيفها داخل الاقتصاد المحلي عند الحاجة.
أضاف أن السلطات ركزت خلال فترة الحرب على ضمان بقاء البنوك «ذات رسملة قوية ومستويات سيولة مرتفعة»، لتجنب أي اختناقات تمويلية أو ضغوط مرتبطة بحركة الودائع والأسواق.
إعلان لبنك أبوظبي الأول في مطار زايد، الإمارات، يوم 24 ديسمبر 2024.
كيف عوّضت التدفقات السيادية سحوبات القطاع الخاص؟
نجحت التدفقات الحكومية في تعويض سحوبات نفذها القطاع الخاص بقيمة 44 مليار درهم خلال مارس، ما ساهم في الحفاظ على نمو الودائع المصرفية الإجمالية.
وبحسب البيانات، ارتفع إجمالي ودائع القطاع المصرفي الإماراتي بنسبة 1.4% ليصل إلى 3.4 تريليون درهم، رغم حالة عدم اليقين التي فرضتها الحرب على بيئة الأعمال الإقليمية.
كما ارتفع اقتراض الحكومة والجهات المرتبطة بها بشكل مشترك بنحو 35 مليار درهم ليصل إلى 580 مليار درهم، في وقت واصل فيه التمويل الموجه للشركات النمو بنسبة تقارب 2% ليبلغ 956 مليار درهم.
في المقابل، استقرت القروض الشخصية عند مستوى 580 مليار درهم، ما يؤكد استمرار الحذر الاستهلاكي وتباطؤ الطلب الفردي على الائتمان خلال فترة التوترات الجيوسياسية.
بصورة إجمالية، نما الائتمان المصرفي في الإمارات بنسبة 2.5% خلال مارس ليصل إلى 2.1 تريليون درهم، مدفوعاً بالتمويل الحكومي وتمويل الشركات بصورة رئيسية.
أوضح زنكنة أن ارتفاع الاقتراض الحكومي والودائع في الوقت نفسه يعكس طبيعة الدورة المالية داخل البنوك، إذ تتحول القروض الممنوحة في المرحلة الأولى إلى أرصدة مودعة داخل الحسابات المصرفية، ما يدعم مستويات السيولة قصيرة الأجل.
إجراءات «المصرف المركزي» وتأثيرها على المعروض النقدي
رغم استمرار تراجع بعض المؤشرات النقدية، أظهرت البيانات تباطؤ وتيرة الانكماش مقارنة بالفترة الأولى من الحرب، ما يشير إلى فعالية تدخلات «المصرف المركزي» في احتواء الضغوط التمويلية.
وانخفض «المعروض النقدي الضيق» (M1)، الذي يشمل النقد المتداول والودائع القابلة للسحب الفوري، بنسبة 2.5% خلال مارس. كما تراجعت القاعدة النقدية (M0)، التي تضم النقد المتداول واحتياطيات البنوك لدى المصرف المركزي، بنسبة 4.2%، وفق حسابات موقع (AGBI).
قال زنكنة «إن تدخلات المصرف المركزي عبر ضخ السيولة ساهمت في تعزيز الاستقرار النقدي ودعم توازن السوق المحلي، والحد من أي ضغوط مالية محتملة».
بنوك الإمارات الكبرى تتحوط من الأزمة وتبني جدار حماية مالياً
أسباب وخلفيات توسيع استثمارات البنوك في الأسهم
في سياق موازٍ، رفعت البنوك الإماراتية استثماراتها في الأسهم بنسبة 8% خلال مارس لتصل إلى 27.6 مليار درهم، مستفيدة من التقلبات التي شهدتها الأسواق المالية خلال فترة الحرب.
يرى زنكنة أن «بعض البنوك ربما استغلت تراجعات الأسواق لزيادة انكشافها على الأصول المالية، رغم التحفظات التقليدية للمؤسسات الدولية تجاه هذا النوع من الاستثمارات»، مشيراً إلى أن مؤسسات مثل «صندوق النقد الدولي» (IMF) و«بنك التسويات الدولية» (Bank for International Settlements) لا تشجع عادة توسّع البنوك في استثمارات الأسهم، باعتبار أن النشاط المصرفي التقليدي يتركز على توظيف الودائع في أدوات ائتمانية مستقرة ومنخفضة المخاطر.
لكنه أوضح أن البنوك الإماراتية ربما رأت في انخفاض تقييمات بعض الأصول فرصة استثمارية مناسبة، مستفيدة من قوة ميزانياتها العمومية ووفرة السيولة خلال فترة الاضطرابات الإقليمية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

