قصة واقعية. الرشيدي يكتب: أزمتي القلبية على متن طائرة لارام بين زاكورة والبيضاء

بعد مرور الموت من أمام أعيني على متن طائرة لارام بين زاكورة والبيضاء ..أسرّ لي صديق، بحياد خطير لا يناسب التجربة، أن الأسمدة الكثيرة ضرورية ليصير الدلاح أكثر حلاوة ونضارة.

فعرفت أن هذه الفاكهة لا تسرق فقط الماء من أرض عطشى، بل قد تسرق العمر كذلك من كاتب يحلم بنصوص قادمة.

*عبد العزيز الرشيدي -كاتب وأستاذ جامعي

بعد صعود الطائرة التي انطلقت من زاكورة باتجاه الدار البيضاء، قرر قلبي أن يفاجئني. بلا مقدمات، ولا تفسير، ولا توقّع.

ارتفعت دقاته حتى كاد يخرج من مكانه. وبدا جليّا أن الأمر لا يتعلق بنوبة عابرة، ولا بحلم مزعج سأستيقظ منه بعد قليل.

حدث كل شيء بسرعة، بالخفة المطلوبة في الزمن العسير، حين لا نتوقع أن يصيبنا مكروه، لكنه يتربص بنا ويتسرب بين الضلوع.

أيقنت، بعد محاولات التنفس العميق، وشرب الماء، والوقوف والجلوس، وتغيير المكان، ومحاولة السيطرة على القلق، أو ما كنت أرجّح أنه كذلك، أن الأمر يتعلق بنوبة قلبية حقيقية طالما قرأت عنها، دون أدنى تركيز، كأن الأمر يخصّ الآخرين فقط. حين نقرأ عن أزماتهم أو نسمع عن موتهم، نتجاوز الخبر بسرعة خوفا على المزاج من الخسران.

إرتفعت الطائرة في الجو، وارتفع معها اختلاج القلب، وسمعت صوتا في أذني يقرأ الآية: ﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان﴾.

لم تنفع كل محاولات الهدوء، ولا تدليك الكتف والذراع والصدر، ولا الثلج الذي وضعه مضيف الطائرة المرتبك في باطن كفي، ثم على عنقي حتى سال فوق صدري وظهري وبلّل ثيابي.

ولم تنفع نصائح ركاب آخرين رأيت تعاطفهم وهم يحاولون تقديم يد المساعدة.

خرجت الأمور عن السيطرة

لقد خرجت الأمور عن السيطرة، وفقد كل شيء معناه، وبدا أن أي تعريف لما يحدث بلا جدوى.

فلأول مرة في حياتي، أحسست بالخوف من هذا الوحش الذي ينبض بداخلي، كما لو أن مسخا سيخرج من صدري بعد قليل.

هربت بخطوي المتثاقل الدائخ نحو المرحاض الصغير لأختلي بألمي كما أفعل دائما، محاولا السيطرة على نفسي.

فأنا من مواليد برج الأسد، هذا الكائن الذي لا يقبل أن يراه الآخرون في لحظة ضعف أو وهن.

نظرت إلى المرآة فرأيت وجهي الشاحب، وتعرّفت إلى ملامحي كما لو كنت أراها لأول مرة، وربما لآخر مرة.

رأيت رجلاً واهناً يحاول التنفس بصعوبة، ويحاول عبور أزمة فاجأته على حين غرة. تعرّقت، وأحسست بحرقة في الصدر، وضغطت طويلا على صدري متتبعاً مكان الألم، ثم سمعت صوتاً خفياً بداخلي يقول لي: أنت في رعاية الله.

أطول رحلة في حياتي

مضت ساعة ونصف، هي زمن الرحلة بين زاكورة والدار البيضاء، في طائرة صغيرة تحمل ما يربو على خمسين مقعداً، لا يوجد بها أي طعام أو دواء، وكانت أطول رحلة في حياتي، اقتربت فيها كثيراً من النهاية.

لم يتوقف قلبي عن انفعاله لحظة واحدة، ولم أخرج من الحالة، وعندما حطت الطائرة في مطار الدار البيضاء، لم تستدع الخطوط الجوية الإسعاف كما طلبت منهم وأنا على متن الطائرة، بل أركبوني في سيارة أوصلتني إلى بوابة الخروج، وهناك تخلصوا مني، وعليّ أن أتصرف كما أشاء.

استعدت شريط حياتي

قادني صديقي إلى المستشفى القريب. على سرير المستعجلات، كان قلبي ما يزال في غليانه.

استعدت شريط حياتي، وأخطائي على الخصوص، ففي لحظة اقتراب النهاية لا نحفل بما فعلناه من خير، ولا بما رتّبناه، بل بالفوضى التي تركناها وراءنا.

مرّ الوقت بطيئاً وأنا أنتظر نتائج التحاليل. كنت أطلب من كل طبيب أو ممرض يدخل الغرفة أن يحقنني بأي شيء كي يهدأ قلبي، بلا جدوى.

وكان مبررهم الطبي أن التحاليل ستُظهر سبب الأزمة، وأن أي مهدئ يمكن أن يخلق مشكلة أو يضيّع التشخيص.

بعد ما يقرب من ساعة، اقترب الطبيب ليشرح وضعي.

كنت أموج في لجّة من الأفكار: هل سأدخل غرفة العمليات بعد قليل؟ هل يتعلق الأمر بقسطرة؟ أم بعملية قلب مفتوح؟ وما الفرق بينهما؟ ..

نظر الطبيب إليّ وتساءل إن كنت قد عانيت من الإسهال خلال الأيام الأخيرة.

شرح الطبيب الوضع. قال إن الأمر يتعلق بنقص حاد في البوتاسيوم مهّد الطريق نحو أزمة قلبية.

ركّبت الممرضة البوتاسيوم في الوريد مع أنبوب المحاليل.

تدفق البوتاسيوم في دمي، فبدأ الجسد يستعيد هدوءه.

نظر الطبيب بإعجاب إلى المعركة التي خضناها: أنا وقلبي. طمأنني على سلامة القلب، وشرح لي أنه من المستحيل، طبيّا، أن يعيش من بلغ هذا الحد من نقص البوتاسيوم.

فكهرباء القلب تعتمد على هذه المادة التي وضعها الله في أجسامنا بحساب دقيق.

إذا انخفضت ارتفعت دقات القلب حتى تصل إلى إنفجار أو تلف في الصمامات، وإذا إرتفعت انخفضت دقات القلب، مما يؤدي إلى السكتة القلبية.

صديقتي باربارا وحادثة فرجينيا

في فرجينيا، قبل سنوات عديدة، تعرضت لحادث سير.

تهشمت السيارة تماما، وخرجت سالما مع كسور.

قالت صديقتي باربارا، إنني، بالنظر إلى هذه الحادثة، فقدت واحدة من حيواتي السبع، وعليّ الآن أن أعيش بحيواتي الست المتبقية.

تذكرت ما قالته الفنانة الأمريكية وأنا أعبر بوابة المستشفى الجامعي محمد السادس ببوسكورة، نحو الخارج، ممتنّا لهذه الرعاية الطبية، وللتدخل المناسب، ولرهافة طاقم المستشفى، ولخطو الأطباء، والممرضات الجميلات، واللطف الزائد، والحرفية العالية.

وها هي ذي حياتي الثانية قد استنفدت، لتبقى معي خمس حيوات كاملة أصنع بها ما أشاء، وأصرفها في الأزمات.

لكن، هل أنا حي فعلاً؟ هل نجوت؟ ربما لم أنجُ. لعلني ميت الآن! ربما دخلت إلى عالم مواز يحمل العناوين نفسها، والأنماط ذاتها. خاطر ما يقول لي إن الإنسان حين يموت لا يموت، بل ينتقل إلى عالم مواز يظهر له عاديا،

بينما يعيش أحباؤه في العالم الأول محنة الفراق، وهكذا سيصدق قول الشاعر: إن الموت لا يوجع الموتى، بل الأحياء.

في طريقي نحو التشافي، عرفت أن الله منحني فرصة أخرى كي أشتغل على النسخة الأكثر إشراقاً من هذا الكائن الناجي. وعرفت أن رعاية الله رتّبت طريقي بدقّة. وإلا لماذا جاءت الأزمة في الدقيقة الأخيرة لرحلتي؟ لماذا ساقني الله كي أحظى بالرعاية اللازمة؟.

عرفت، فيما تلا ذلك من أيام، أن سبب الإسهال كان الدلاح.

لقد أسرّ لي صديق، بحياد خطير لا يناسب التجربة، أن الأسمدة الكثيرة ضرورية ليصير الدلاح أكثر حلاوة ونضارة.

فعرفت أن هذه الفاكهة لا تسرق فقط الماء من أرض عطشى، بل قد تسرق العمر كذلك من كاتب يحلم بنصوص قادمة.


هذا المحتوى مقدم من Le12.ma

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من Le12.ma

منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
جريدة كفى منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
آش نيوز منذ 13 ساعة
Le12.ma منذ 11 ساعة