لكن التاريخ يكشف حقيقة أعمق: فالإمبراطوريات الكبرى لا تسقط فجأة، بل تسبق سقوطها مراحل طويلة من الشيخوخة السياسية والإنهاك الداخلي، بينما تبدأ في المقابل قوى جديدة بالصعود من الأطراف البعيدة حتى تعيد تشكيل العالم. وهذه واحدة من أعظم سنن التاريخ؛ فحين يشيخ المركز، تبدأ الأطراف بالصعود. فالإمبراطورية البيزنطية لم تسقط في يوم واحد، بل سبق ضعفها: التنازع الداخلي، والترف السياسي، والإنهاك العسكري، وتراجع الهيبة، وتضخم الإدارة، وفقدان القدرة على التجدد. وكانت قوى ناشئة تتحرك بهدوء على أطراف العالم الإسلامي؛ تبني القوة بالصبر والانضباط ووحدة المشروع، حتى بدأت موازين التاريخ تتغير بالتدريج.
والأمر نفسه يتكرر اليوم بصورة مختلفة، فالعالم يعيش مرحلة تحول كبرى؛ الولايات المتحدة ما زالت القوة العظمى، لكنها تواجه تحديات متراكمة: استقطاباً سياسياً داخلياً، وتضخماً اقتصادياً، وصراعاً على القيادة العالمية، وإنهاكاً استراتيجياً ممتداً من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وبحر الصين.
وفي المقابل، تصعد قوى جديدة، وفي مقدمتها الصين بهدوء وتراكم طويل؛ تبني الاقتصاد، وتسيطر على سلاسل الإمداد، وتدخل سباق الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، وتربط العالم بمشروعات اقتصادية عملاقة.
وهنا تتكرر سنن التاريخ ذاتها، وإن تغيرت الأسماء والأدوات. فقديما كانت السيطرة تبنى على طرق التجارة والموانئ والممرات البحرية، واليوم تبنى على الطاقة والبيانات والتقنية والمعرفة. وقد أدركت القوى الكبرى أن من يملك الاقتصاد والتقنية يملك التأثير السياسي والعسكري معا. ولهذا لم تعد المعارك الكبرى تدار بالسلاح فقط، بل: بالعقوبات، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والسيطرة على الممرات البحرية وأسواق الطاقة. ومن هنا يمكن فهم التصعيد العالمي حول: مضيق هرمز، وبحر الصين، وتايوان، والرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة. فالصراع الحقيقي، اليوم، ليس على الحدود فقط، بل على من يملك قيادة المستقبل.
وفي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
