كان يجلس دائماً في الصف الأخير من المسجد النبوي، في تلك البقعة المعتمة التي لا تصلها أضواء القناديل ولا التفاتات الوجهاء.
شيخٌ طاعنٌ في السن، يرتدي ثوباً نظيفاً لكنه متهالك، ينهي صلاته بصمت، يطوي سجادته الوهمية في قلبه، ويمضي في أزقة المدينة المنورة ماشياً بجوار الجدران لكي لا يزاحم أحداً، ويدعو الله ألا يراه أحد.
مرت بجواره قافلة التابعين الجدد، أولئك الشباب المتحمسون الذين جاءوا من أقاصي الأرض يبحثون عن أي شخص رأى رسول الله ﷺ ليأخذوا عنه الحديث. نظروا إليه، فرأوا مجرد «رجل عجوز عابر»، لم يلتفتوا إليه، ولم يلتفت هو إليهم.
إن الحقيقة التي لم يعرفها هؤلاء التابعون، ولم يسجلها الطبري، ولم تذكرها موسوعة «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر العسقلاني، هي أن هذا العجوز المجهول ربما كان ممن رأوا النبي ﷺ، وربما صلى خلفه، وربما شارك في غزوة، لكنه، ومنذ اليوم الأول الذي نطق فيه بالشهادتين، اتخذ قراراً إستراتيجياً صارماً وهو أن يمر في هذه الدنيا بسلام، دون ضجيج، دون منصب، والأهم... دون أن يترك ظلاً أو أثراً يُذكر في كتب التاريخ.
أنا أعلم عزيزي القارئ! أنك تود أن تعرف اسمه، الذي لم تسمع عنه من قبل، ولكن دعني أكمل قصة هذا الرجل الذي عاش في الظل وسأخبرك باسمه في نهاية المقال... ففي زمن كانت فيه الصحبة «شرفاً» يرفع الأنساب، ومكانة تمنح صاحبها الصدارة في المجالس والجيوش وشرف أن يكون لك تلاميذ وأتباع، قرر أن ينسحب من كل هذا الضجيج.
لم يقف يوماً في حلقة ليقول: «سمعت، ولم يذهب إلى الخليفة ليذكره بأيامه في مكة... كان يعتقد يقيناً أن صفقته وهويته لا تحتاج إلى «تصديق» أو «ختم» من أهل الأرض.
هذا الرجل العادي جداً، الذي كان يمشي في الأسواق، ويمرض ويفرح ويحزن ويضحك. ويلاعب أبناءه، أدرك مبكراً حقيقة فلسفية مهمة، وهي أن الشهرة تقصم الظهور، وأن الأضواء تحرق من يقترب منها... لذلك اختار أن يكون رقماً صفرياً في حسابات البشر.
تخيل يا عزيزي القارئ! لو أن مثل هذا الرجل بُعث اليوم، ومشى في شوارع مدننا الحديثة، ليرى ما فعلناه بأنفسنا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الراي
