تتسارع وتيرة التحولات الهيكلية في الاقتصاد المصري خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع تحرك الحكومة لإعادة صياغة دور الشركات المملوكة للدولة، بالتوازي مع توسيع برنامج الطروحات الحكومية وتعديل قانون شركات قطاع الأعمال العام.
وظهرت التحركات التشريعية والتنفيذية جلياً بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشئون الاقتصادية، حسين عيسى، في منتصف مايو لمناقشة تعديلات محددة على قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991.
وأكد عيسى، أن التعديلات المقترحة لا تستهدف تغيير القانون بالكامل، وإنما إدخال إصلاحات تنظيمية وتشريعية ترتبط بتحسين أداء الشركات وتعزيز الحوكمة ورفع كفاءة الإدارة، هو ما يدعم تسريع برامج الإصلاح الهيكلي داخل الشركات التابعة للدولة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وأوضح، المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء المصري، محمد الحمصاني، أن المناقشات تناولت تطوير آليات العمل داخل شركات قطاع الأعمال العام، وتحسين الأداءين المالي والإداري، بما يسمح برفع كفاءة التشغيل وزيادة قدرة تلك الشركات على المنافسة وجذب المستثمرين.
رئيس البورصة المصرية لـ«إرم بزنس»: إصدار تشريعات منظمة للسوق قريباً
أبرز التعديلات
شملت التعديلات إعادة تنظيم اختصاصات الجمعيات العامة ومجالس الإدارات، إلى جانب إضافة مادة جديدة تجيز الجمع بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي في بعض الشركات التي لا يتطلب حجم أعمالها الفصل بين المنصبين، مع استمرار الالتزام بقواعد الحوكمة والضوابط المنظمة للشركات المقيدة بالبورصة المصرية والأنشطة المالية غير المصرفية.
وتضمنت التعديلات استثناء الشركات المرتبطة بالمرافق العامة الحيوية أو الأنشطة القومية الاستراتيجية والخدمات الأساسية من بعض إجراءات إعادة الهيكلة أو التخارج، مع استمرار تبعيتها للدولة، ووضع خطط لتعافيها المالي والتشغيلي.
وتتزامن هذه التعديلات مع توسع واضح في برنامج الطروحات الحكومية، بعدما ارتفع عدد الشركات المدرجة ضمن البرنامج من 35 شركة في المرحلة الأولى إلى 60 شركة حالياً، وفق موافقة رسمية من مجلس الوزراء.
طرح 20 شركة حكومية بالبورصة
تشير البيانات الحكومية إلى أن الاستعدادات الجارية تشمل طرح حصص من 20 شركة حكومية في البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة، بنسب تتراوح بين 10% و40%، في قطاعات التأمين والخدمات اللوجستية والتشييد والرعاية الصحية، ضمن خطة تستهدف توسيع قاعدة الملكية وتنشيط سوق المال.
وكشف مساعد رئيس الوزراء المصري، هاشم السيد، أن الحكومة تتابع إجراءات قيد 20 شركة كانت تتبع وزارة قطاع الأعمال سابقاً، موضحاً أن 10 شركات سيتم قيدها خلال فترة قصيرة، بينما يجري استكمال إجراءات الشركات المتبقية، بالتوازي مع نقل 40 شركة أخرى إلى صندوق مصر السيادي لإعادة استغلال الأصول ورفع كفاءتها الاستثمارية.
وتسعى الحكومة المصرية، إلى جذب نحو 60 مليار دولار استثمارات أجنبية مباشرة خلال الفترة من 2026 حتى 2030، عبر حزمة من الإجراءات تشمل مرونة سعر الصرف، وتبسيط التراخيص، والتوسع في المناطق الاقتصادية الخاصة ونظام الشباك الواحد.
يأتي ذلك في الوقت الذي أشار فيه تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن برنامج الطروحات الحكومية قد يوفر نحو 3 مليارات دولار خلال العام المالي 2025-2026، مقابل 2.1 مليار دولار متوقعة في العام التالي، وذلك بعد نجاح مصر منذ العام 2022 في جمع ما يقرب من 6 مليارات دولار عبر 21 صفقة ضمن البرنامج.
ويرى خبراء اقتصاد أن التحركات الحالية تعكس انتقال الحكومة من مرحلة إدارة الشركات العامة بصيغتها التقليدية إلى نموذج يعتمد بصورة أكبر على الحوكمة والربحية والشراكة مع القطاع الخاص، خاصة مع التوسع في إدراج الشركات داخل سوق المال أو نقلها إلى الصندوق السيادي.
متعاملون داخل البورصة المصرية في العاصمة القاهرة، يوم 20 سبتمبر 2018.
منح الشركات مرونة أكبر
قال عضو الجمعية المصرية الاقتصاد السياسي، محمد مصطفى، إن التعديلات الأخيرة على قانون شركات قطاع الأعمال تمثل نقطة تحول في طريقة إدارة الشركات المملوكة للدولة، خاصة أنها تستهدف منح مجالس الإدارات مرونة أكبر في اتخاذ القرار وتسريع عمليات إعادة الهيكلة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على جاهزية الشركات للطرح أو جذب شراكات استثمارية جديدة.
أضاف مصطفى في تصريحات لـ«إرم بزنس» أن السماح بالجمع بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي في بعض الكيانات قد يقلل من تعقيدات اتخاذ القرار داخل الشركات التي تعاني بطئ إداري مع الحفاظ في الوقت نفسه على قواعد الحوكمة للشركات المقيدة والأنشطة المالية غير المصرفية.
أشار عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي إلى أن التوسع في برنامج الطروحات من 35 إلى 60 شركة يعكس اتجاه الحكومة نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، موضحاً أن السوق قد يشهد دخول كيانات كبيرة قادرة على جذب استثمارات مؤسسية وسيولة أجنبية، خاصة مع طرح حصص تتراوح بين 10% و40%.
وأوضح أن نجاح هذه التحركات يرتبط بسرعة تنفيذ إعادة الهيكلة التشغيلية والمالية، لأن المستثمرين يركزون حالياً على كفاءة الإدارة والقدرة على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة، وليس فقط حجم الأصول أو ملكية الدولة للشركات.
مصر.. تحضير 10 شركات في قطاع البترول للقيد في البورصة المصرية
خطوة تشريعة وفق معايير السوق
قال الخبير الاقتصادي، عبد السلام نافع، «إن تعديل قانون شركات قطاع الأعمال يمثل خطوة تشريعية أساسية لإعادة تحويل الشركات العامة إلى كيانات تعمل وفق معايير السوق»، موضحاً أن القانون بصيغته القديمة كان يمنح بعض الشركات أوضاعاً استثنائية تقلل من مرونتها التشغيلية وقدرتها على جذب المستثمرين.
وأوضح نافع أن نقل 40 شركة إلى صندوق مصر السيادي يمنح الحكومة مساحة أوسع لإعادة توظيف الأصول، خاصة أن الصندوق يستطيع الدخول في شراكات مباشرة مع مستثمرين وصناديق سيادية عربية وأجنبية بصورة أسرع من النماذج الحكومية التقليدية.
أضاف في تصريح لـ«إرم بزنس» أن الدولة تسعى حالياً للفصل بين الشركات القابلة للطرح أو الشراكة الاستثمارية، وبين الشركات المرتبطة بالأمن الاقتصادي والخدمات الأساسية، وهو ما ظهر بوضوح في التعديلات الأخيرة التي أبقت بعض الكيانات الاستراتيجية تحت الإدارة الحكومية المباشرة.
أشار المحلل الاقتصادي إلى أن تحقيق حصيلة تصل إلى 3 مليارات دولار من الطروحات خلال عام مالي واحد سيمنح الحكومة مساحة أكبر لتقليل الضغوط التمويلية وتوفير سيولة دولارية، خاصة مع استمرار التزامات خدمة الدين الخارجي واحتياجات الاستيراد وتمويل المشروعات.
4 من 10.. تقييم صادم من نائب رئيس الوزراء لمناخ الاستثمار في مصر
إعادة تقييم الأصول الحكومية
قال الخبير الاقتصادي، أحمد بدوي، «إن اتساع برنامج الطروحات ليشمل 60 شركة يعكس تحرك أكبر لإعادة تقييم الأصول الاقتصادية المملوكة للدولة وتحويل جزء منها إلى أدوات استثمارية قابلة للتداول داخل السوق».
أضاف في تصريح لـ«إرم بزنس»، أن ما يقرب من 6 مليارات دولار تم جمعها منذ بدء البرنامج في 2022 عبر 21 صفقة يؤكد وجود شهية استثمارية تجاه الأصول المصرية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية، لأن الحكومة تتجه نحو قطاعات أكبر وأكثر تأثيرًا في السوق.
أوضح بدوي أن طرح شركات جديدة في قطاعات التأمين والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية قد يخلق فرصاً لجذب استثمارات مؤسسية طويلة الأجل، خاصة من الصناديق الخليجية والإقليمية الباحثة عن أصول تشغيلية تحقق عوائد مستقرة.
أشار إلى أن نجاح الطروحات المقبلة قد ينعكس بصورة مباشرة على أداء البورصة المصرية، سواء من حيث زيادة عدد المستثمرين أو رفع القيمة السوقية أو تنشيط التداولات، خاصة مع ترقب السوق لطرح كيانات ذات أحجام كبيرة خلال الفترة المقبلة.
أضاف المحلل الاقتصادي أن التعديلات التشريعية الأخيرة تمنح الحكومة مرونة أكبر في إعادة هيكلة الشركات قبل الطرح، وهو ما قد يساعد على تحسين تقييماتها السوقية وتقليل الأعباء التشغيلية، خصوصاً في الشركات التي كانت تواجه تعقيدات إدارية أو مالية خلال السنوات الماضية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

