يشهد القطاع الصحي في الكويت اليوم مرحلة مهمة تستحق التأمل الهادئ وإعادة قراءة فلسفة التمويل الصحي بصورة تتواكب مع المتغيرات الحديثة. ولعل قرار مجلس الوزراء الإصلاحي الأخير، بوقف التأمين الصحي للقطاع النفطي بحلول عام 2029، والتوجه نحو توسعة مستشفى الأحمدي ليكون بديلاً عن هذا النظام، لا يمثل مجرَّد إجراء إداري عابر، بل هو في الواقع شرارة الانطلاق لنقاشٍ وطني مستحق حول أفضل السُّبل لتحقيق التوازن الصعب بين جودة الخدمة الطبية واستدامة الإنفاق العام.
إن الحديث عن الصحة في الكويت يمس كل بيت، ويُثير قلقاً إنسانياً مشروعاً لدى المواطن، فخلف الأرقام والميزانيات تقف مصلحة أبنائنا وآبائنا. فالكويت، بخلاف كثير من دول العالم، لا تزال تقدِّم للمواطنين منظومة صحية شاملة تتحمَّل الدولة تكلفتها بالكامل، من الرعاية الأولية في المستوصفات، إلى المستشفيات العامة والتخصصية، وصولاً إلى العلاج في الخارج عند الحاجة. وهذا النموذج، رغم كُلفته المرتفعة، يعكس فلسفة اجتماعية وإنسانية راسخة قامت عليها الدولة الحديثة منذ الاستقلال، وكان أحد أعمدة الأمان المجتمعي التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لكن مع التغيُّرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، والارتفاع الجنوني في كُلفة الرعاية الصحية الحديثة عالمياً، أصبح من الطبيعي والمسؤول أن نطرح السؤال بهدوء: ما الشكل الأمثل للتمويل الصحي في المرحلة المقبلة؟
علمياً، لم تعد كفاءة النظام الصحي تُقاس بحجم الأموال المرصودة له، بل بـ «المحصلات العلاجية المستدامة» مقابل كل دينار يُنفق. ومن هنا، وجب البحث عن نموذج يضمن استمرارية الجودة ورفع الكفاءة التشغيلية في آنٍ واحد.
تنوُّع أنظمة التأمين... والعدالة الغائبة
خلال السنوات الماضية، توسَّعت الكويت في أشكالٍ متعددة من التأمين الصحي، سواء عبر القطاع النفطي أو مشروع «عافية». ورغم أن هذه البرامج قدمت حلولاً سريعة، ووفرت خيارات إضافية لفئات من دون غيرهم (كالمتقاعدين، وربات البيوت، وموظفي بعض الجهات)، فإنها فرضت في كثيرٍ من الأحيان بأجندات شعبوية غاب عنها التخطيط الاستراتيجي، ولا تمت للإدارة الحديثة أو العدالة الاجتماعية بصلة.
ومن منظورٍ علمي بحت في نظم الرعاية الصحية، فإن هذا التشظي في نظام التمويل يفرز معضلة تُعرف بـ «التضخم الناجم عن مقدمي الخدمة» (Supplier-Induced Demand)، حيث يؤدي غياب الرقابة الحصيفة في بعض برامج التأمين إلى الإفراط في الفحوصات الطبية والوصفات الدوائية غير الضرورية، مما يُرهق ميزانية الدولة من دون تقديم عائد حقيقي على صحة المريض.
إن التوسع غير المدروس يفتح باباً للهدر والازدواجية الإدارية والمالية بين القطاعين الحكومي والخاص، وهو ما يستدعي فصلاً حاسماً بين الدولة كـ «مموّل ومنظّم» وبين «مقدّمي الخدمة».
التجارب الإقليمية والعالمية: دروس مستفادة
في دول الخليج الشقيقة، كالسعودية والإمارات والبحرين، أدرك صُنَّاع القرار مبكراً خطورة الاعتماد على النظم التقليدية، فاتجهوا تدريجياً نحو تطوير نماذج التأمين الصحي وربطها بمؤسسات تعمل بأساليب تشغيل حديثة. وارتكزت خططهم على تأسيس «تجمعات صحية مستقلة» وشركات حكومية تعمل وفق مؤشرات أداء دقيقة وعقود تشغيل ومحاسبة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
