عقول تحت التخدير الرقمي

ماذا وراء المعادلة 4 96؟

طلبت من طلابي الستة والتسعين بكلية الهندسة تكوين فرق لأداء مهمة تُثري مهاراتهم وتربط الجانب النظري بالواقع العملي، على أن يتكون كل فريق من أربعة طلاب فقط، وسألتهم ببساطة: كم فريقًا سيكون لدينا؟

أدهشني صمت معظمهم، ثم لجوء بعضهم سريعًا إلى الهاتف للبحث عن تطبيق الآلة الحاسبة لمعرفة حاصل قسمة 96 4؛ فكانت ملاحظة خاطفة، لكنها فتحت أمامي بابًا واسعًا للتفكير في علاقتنا المعاصرة بالتكنولوجيا: هل أصبحت التكنولوجيا أداة تُعين العقل، أم بدأت تحلَّ محله؟

من الآلة الحاسبة إلى الذكاء الاصطناعي

لم يعد الأمر مُتعلقًا بالآلة الحاسبة فقط، ولا بالهاتف المحمول أو الكمبيوتر أو التابلت، بل دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، وتطبيقات المحادثة الذكية، والواقع الافتراضي والمعزز، والخوارزميات التي تقترح علينا ما نقرأ، وما نشاهد، وما نشتري، بل أحيانًا ما نُفكر فيه ونَمِيل إليه.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في كل شيء تقريبًا؛ إذ لم تعد المعرفة بعيدة، ولم تعد الأدوات حكرًا على المتخصصين، بل صار بإمكان الفرد أن ينجز في دقائق ما كان يتطلب في الماضي ساعات أو أيام.

التكنولوجيا كأداة مساعدة العقل

لكن السؤال الأهم: ماذا يحدث للعقل حين يعتاد أن يجد الإجابة قبل أن يحاول التفكير فيها؟

الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا، بل في طريقة استخدامها؛ فالآلة الحاسبة لا تضر من يعرف أساسيات الحساب،و لكنها قد تُضعِف من لم يتدرب أصلًا على التفكير العددي. والذكاء الاصطناعي لا يضر من يستخدمه شريكًا في التفكير،و لكنه قد يُضعِف من يتعامل معه؛ باعتباره بديلًا عن الفهم والتأمل والتحليل والحكم الشخصي.

إنَّ جيل اليوم لا يواجه فقط تحدي كثرة الشاشات، بل يواجه تحديًا أعمق: وهو سهولة الإجابة؛ فبدلًا من أن يسأل الطالب نفسه: كيف أفكر؟ كيف أستنتج؟ كيف أختبر الفكرة؟ أصبح السؤال أحيانًا: أي تطبيق سيعطيني الحل أسرع؟

الوجه الآخر للتكنولوجيا البازغة

هنا يظهر الوجه الآخر للتكنولوجيا البازغة؛ وجه لا نتحدث عنه كثيرًا وسط الانبهار بسرعة الأدوات وذكاء الخوارزميات. فقد تُضعف التكنولوجيا بعض القدرات الإنسانية العميقة إذا ما أُسيء استخدامها؛ مثل الحدس، والذكاء الاجتماعي، والذكاء العاطفي، والصبر الذهني، والقدرة على التركيز، ومهارة الإصغاء، وحِس الملاحظة.

إنَّ الحدس لا يتكون من فراغ، بل ينمو عبر التجربة، والخطأ، والملاحظة، والمقارنة، وتراكم المواقف؛ فإذا اعتاد الإنسان أن يسأل الآلة في كل موقف، قبل أن يسأل نفسه، فقد يفقد تدريجيًا ثقته في حكمه الشخصي.

وإذا لجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليكتب كل رسالة، ويرتب كل فكرة، ويختار كل عبارة؛ فقد يصبح أكثر فصاحة على الشاشة، لكنه أقل قدرة على التعبير العفوي في الحياة الحقيقية.

تراجع مهارات الذكاء الاجتماعي والعاطفي

أما الذكاء الاجتماعي والعاطفي، فهما من أكثر ما يتعرض للضعف في عصر التواصل الرقمي؛ فالتفاعل الإنساني لا يُختزل في رسالة قصيرة، أو إيموجي ، أو إعجاب، أو مشاركة.

الإنسان يتعلم من نبرة الصوت، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد، والصمت، والتردد، والفرح، والقلق، والارتباك. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع القدرة على فهم الآخرين والتعاطف معهم. لكن كثرة الاعتماد على الشاشات قد تجعل العلاقات أكثر سرعة، وأقل عمقًا، وأكثر اتصالًا، وأقل تواصلًا.

الشاشات وتغيُّر عادات التركيز والانتباه

كم منا لاحظ قلة تركيز الأطفال والشباب عند الجلوس أمام التلفزيون أو الكمبيوتر أو الهاتف؟ وكم منا لاحظ أن مقطعًا يتجاوز ثلاث دقائق قد يُعد طويلًا ومُملًا، بينما كانت الأجيال السابقة تستمع إلى أم كلثوم لساعات دون ضجر؟. لقد تغير إيقاع الحياة، وتغيرت معه عادات الانتباه والصبر والتلقي.

آثار التكنولوجيا على الجسد واللغة والسلوك

ولم تقف آثار التكنولوجيا عند التفكير فقط، بل امتدت إلى الجسد واللغة والسلوك؛ فمِن الأطفال من يعاني من قلة الحركة والسمنة وآلام الرقبة والمعصمين، ومن الشباب من يتباهى بساعات طويلة أمام لوحة المفاتيح والشاشة.

كذلك، نشأت لغات هجينة ومصطلحات جديدة، مثل سيِّف و شيِّر ، وغيرها من مفردات العالم الرقمي. وهذه ليست مشكلة في ذاتها، فاللغة كائن حي يتطور، وكل جيل يصنع قاموسه الخاص، لكن المشكلة تبدأ عندما تضعف اللغة الأصلية، أو يتحول الاختصار إلى عادة ذهنية، فيضعف التعبير، وتقل الدقة، وتتراجع القدرة على بناء المعنى العميق.

رفض صراع الأجيال والدعوة إلى الفهم والتوجيه

ولا أقول ذلك من باب الهجوم على الشباب، فلست من أنصار تعبير الزمن الجميل أو ممن يرتدون ثوب الواعظ؛ فقد كنا نحن أيضًا، في أعمارهم، نمتلك لغتنا الخاصة، وموضاتنا الخاصة، وتمردنا الخاص، هم يقولون بوستات ، ونحن كنا نقول سكاشن ، هم يطلقون شعر رؤوسهم بتسريحات غريبة مقلدين لاعبي الكرة والفنانين ،وكنا نطلقه مثل الخطيب وحسن شحاتة، ونرتدي مثل المطرب ألفيس بريسلي، وبالتأكيد كان ذلك محل استنكار الآباء والأجداد في ذلك الوقت، فالقضية ليست صراع أجيال، بل سؤال تربية وتوجيه ووعي.

الذكاء الاصطناعي كأداة تعليم وابتكار

إن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة ليست عدوًا، بل يمكن أن تكون أعظم أدوات التعليم والابتكار، إذا وضعت في إطار تربوي وأخلاقي صحيح. المطلوب ليس أن نمنع أبناءنا من استخدامها، فهذا مستحيل وغير منطقي، بل أن نعلمهم كيف يستخدمونها دون أن يفقدوا ملكاتهم الإنسانية. أن نقول لهم: استخدموا الذكاء الاصطناعي ليساعدكم على التفكير، لا ليعفيكم منه، اسألوه، لكن ناقشوه، استفيدوا منه، لكن لا تسلموا عقولكم له، دعوه يقترح، لكن احتفظوا بحقكم في الحكم والاختيار.

تدريب العقل وبناء الوعي

ينبغي أن يعود التعليم إلى تدريب العقل، لا إلى حشو الذاكرة فقط. نحتاج إلى مدارس وجامعات تُعلِّم الطلاب كيف يسألون، لا كيف ينقلون الإجابة، كيف يحللون، لا كيف ينسخون، كيف يختلفون باحترام، وكيف يعملون في فِرَق، وكيف يتحدثون بثقة، وكيف يفهمون مشاعرهم ومشاعر الآخرين؛ فالمستقبل لن يحتاج فقط إلى من يعرف استخدام الأدوات الذكية، بل إلى من يمتلك عقلًا نقديًا، وقلبًا إنسانيًا، وضميرًا يقظًا.

نحتاج إلى إعلام جديد وقديم يدرك خطورة ما يقدمه للأجيال، إعلام لا يكتفي بإثارة الغرائز، ولا يطارد الفضائح، ولا يصنع شهرة زائفة، بل يبرز النماذج الإيجابية، وقيم العمل، والاحترام، والإتقان، والرحمة، والصدق، والبناء؛ فالتكنولوجيا قد تصنع أدوات عظيمة،و لكنها لا تصنع وحدها إنسانًا عظيمًا.

مسؤولية الأسرة في القدوة والحوار

أتمنى من الأمهات والآباء أن يصادقوا أبناءهم، لا أن يراقبوهم فقط، أن يحاوروهم لا أن يحاكموهم، أن يدركوا أن أبناءهم يعيشون في عالم مفتوح، سريع، ضاغط. والأهم أن يكونوا قدوة صالحة؛ فالطفل لا يتعلم من النصيحة بقدر ما يتعلم من النموذج.

الإنسان والآلة بين السرعة والحكمة

لقد أصبحت المعادلة اليوم أكبر من 96 4، إنها معادلة بين الإنسان والآلة، بين السرعة والتأمل، بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني، بين وفرة المعلومات وندرة الحكمة.

نعم، نريد أبناءنا قادرين على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بكفاءة، لكننا نريدهم قبل ذلك قادرين على التفكير، والشعور، والحوار، والاختيار. نريدهم أذكياء رقميًا، لكن أيضًا أذكياء اجتماعيًا وعاطفيًا. نريدهم أن يستخدموا الآلة، لا أن تستخدمهم الآلة.

فليس الخطر أن يحسب الطالب 96 4 بالآلة الحاسبة، بل أن ينسى يومًا أنه قادر على التفكير قبل أن يلمس.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من مجلة رواد الأعمال

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من مجلة رواد الأعمال

منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 21 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات