يكتسي عيد الأضحى في المغرب طابعاً استثنائياً يمتزج فيه البعد الديني الروحاني بالعمق الثقافي والأصالة المغربية.
ولأن العيد الكبير كما يسميه المغاربة ليس مجرد مناسبة عابرة، فإنه يتحول إلى احتفالية وطنية كبرى تعكس قيم التضامن، والتلاحم العائلي، والتمسك بالتقاليد التي توارثتها الأجيال لقرون.
إليك جولة في قلب الدار المغربية لرصد أبرز طقوس وعادات هذا اليوم المبارك:
الاستعدادات الأولى.. حركية الأسواق ولمة العائلة
تبدأ أجواء العيد أسابيع قبل حلوله، حيث تدب الحركة في أسواق الماشية (الكسيبة). ويشكل اختيار الأضحية طقساً قائماً بذاته، إذ يبحث رب الأسرة عن الكبش الأقرن والملائم للشروط الشرعية والميزانية العائلية.
بالتوازي مع ذلك، تنشط الأسواق الشعبية لبيع التوابل المغربية، ومستلزمات الشواء (المجامر والأسياخ)، وتتفنن النساء في تنظيف البيوت واقتناء ملابس تقليدية جديدة لجميع أفراد الأسرة.
صباح العيد.. التكبير والزي التقليدي
مع خيوط الفجر الأولى لليوم العاشر من ذي الحجة، تهتز مآذن المساجد ومصليات الهواء الطلق بالتكبير والتهليل.
يتوجه المغاربة رجالاً ونساءً وأطفالاً صوب المصليات وهم يرتدون الزي التقليدي المغربي؛ حيث يتألق الرجال بـ الجلباب و الجبادور مع البلغة الجلدية، بينما ترتدي النساء القفطان أو الجلابة المغربية، في لوحة بصرية تجسد الأصالة.
وبعد الانتهاء من خطبة العيد، يتبادل المصلون التهاني بعبارات شهيرة مثل: عواشر مبروكة و تعيد وتعاود إن شاء الله ، قبل الانتقال إلى البيوت لبدء الطقس الأبرز.
طقس الذبح و الوضع الاعتباري للكبش
بعد عودة رب الأسرة من المصلاة، تبدأ عملية ذبح الأضحية. ورغم العصرنة، ما زال الكثير من المغاربة يفضلون ذبح الأضحية بأنفسهم أو الاستعانة بـ الجزار وسط أجواء احتفالية تشارك فيها العائلة بأكملها، حيث تُوكل للشباب مهمة المساعدة، بينما تتكلف النساء بتنظيف الدوارة (الأحشاء).
المطبخ المغربي في العيد.. هندسة النكهات
يتميز المطبخ المغربي في عيد الأضحى بجدول زمني صارم ومقدس للوجبات، يختلف نسبياً بين المناطق لكنه يلتقي في النقاط الأساسية.
ففي يوم الذبح لا يتم لمس لحم الخروف تقريباً، بل ينصب التركيز على إعداد وجبة بولفاف ، وهي عبارة عن قطع من الكبد والقلب الملفوفة بالشحم والمشوية على الفحم، تُقدم مصحوبة بالشاي المغربي بالنعناع، وتتبعها وجبة التقلية في المساء.
أما في اليوم الثاني فيبدأ طقس تقطيع الأضحية، ويُخصص هذا اليوم لإعداد المشوي أو طبق الكسكس برأس الخروف والمبخر.
وفي الأيام الموالية، تظهر العبقرية المغربية في تجفيف اللحم لإعداد القديد ، وتحضير المروزية ؛ وهو طبق حلو ومالح يُطهى بقطع اللحم، والزبيب، والعسل، ومزيج توابل خاص، ويتميز بقدرته على البقاء صالحاً للأكل لفترات طويلة.
بوجلود .. كرنفال شعبي فريد
في العديد من المدن والقرى المغربية (خاصة في مناطق سوس والأطلس)، ينطلق بعد يوم العيد كرنفال شعبي غامض وممتع يُعرف بـ بوجلود أو بيلماون .
يقوم شباب بارتداء جلود الأكباش والماعز، ويطوفون في الأزقة والأحياء ناشرين أجواء من الفرح والفرجة، ومرددين أهازيج شعبية، في طقس أنثروبولوجي قديم يربط الترفيه بالاحتفال الجماعي.
و يبقى عيد الأضحى في المغرب أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه مرآة تعكس كرم الضيافة المغربية، وروح التضامن من خلال توزيع حصص من الأضحية على الفقراء والمحتاجين، وتأكيد حي على أن المغاربة، مهما بلغت بهم الحداثة، يظلون متشبثين بجذورهم الثقافية الضاربة في التاريخ.
هذا المحتوى مقدم من Le12.ma
