هناك محطات في العمر لا تُقاس بعدد السنوات، بل بما تتركه في القلب من أثر، وما تمنحه للإنسان من معنى، وما تصنعه فيه من نضجٍ وتجربة وامتنان. واليوم، وأنا أودّع مرحلة امتدت لأكثر من واحدٍ وعشرين عاماً في مجلس الشورى، لا أشعر بأنني أغادر وظيفة، بقدر ما أسترجع رحلة عمرٍ جميلة، عشتها بكل تفاصيلها الإنسانية والوطنية والمهنية.
منذ أن بدأت عملي في مايو 2005، دخلت هذا الصرح الوطني وأنا أحمل الحماس والطموح والرغبة الصادقة في أن أكون جزءاً من مؤسسة وطنية تحمل رسالة سامية في خدمة الوطن والقيادة الحكيمة، حفظها الله ورعاها. وعلى امتداد السنوات، تنقلت بين مواقع ومسؤوليات متعددة، من رئيس قسم الإعلام، إلى مدير إدارة العلاقات والإعلام والمراسم، ثم أمين عام مساعد للعلاقات والإعلام والبحوث، في محطة أعتز بها كثيراً كأول امرأة تصل إلى هذا المنصب على مستوى الوطن العربي، وصولاً إلى مستشار لمعالي رئيس مجلس الشورى. وكانت كل مرحلة تحمل معها تجربة مختلفة، ودروساً عميقة، ومسؤوليات أكبر، صقلت مهاراتي، وعززت شغفي بالعمل، ودفعتني إلى العطاء والتفاني والإخلاص في خدمة الوطن الغالي.
ولم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال بين مناصب ومسميات، بل كانت مسيرة ثرية بالمعرفة والتجربة والاحتكاك اليومي بقضايا الوطن والعمل المؤسسي والبرلماني، بما عزّز داخلي الإيمان بأن العمل العام رسالة قبل أن يكون وظيفة، ومسؤولية أخلاقية ووطنية قبل أي اعتبار آخر، ومن خلاله تترسخ قيم الولاء والانتماء الوطني.
كما كان من المحطات التي أعتز بها كثيراً رئاستي للجنة التوازن بين الجنسين منذ العام 2012، حيث عملت مع فريق مخلص ومؤمن بأهمية ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتعزيز ثقافة التوازن بين الجنسين داخل الأمانة العامة للمجلس، انسجاماً مع التوجهات الوطنية الداعمة لدور المرأة البحرينية وتمكينها وإبراز إسهاماتها الفاعلة في التنمية والعمل الوطني. وقد شكّلت هذه التجربة مساحة مهمة للعمل المؤسسي الهادف، وإطلاق مبادرات نوعية وتوعوية تركت أثراً إيجابياً نفتخر به جميعاً.
لقد كان العمل في مجلس الشورى أكثر من مجرد عمل إداري أو مهني؛ كان مدرسة وطنية متكاملة، تعلمت فيها معنى الانتماء الحقيقي، وأدركت أن العمل العام ليس مجرد إنجازات تُكتب، بل هو أخلاق تُمارس، وعلاقات إنسانية تُبنى، وثقة تُصنع عبر السنين.
وطوال هذه المسيرة، تشرفت بالعمل تحت قيادة معالي السيد علي بن صالح الصالح، رئيس مجلس الشورى، وأن أكون قريبة من رؤيته وتوجيهاته، هذه القيادة تعلمت منها الكثير؛ تعلمت الحكمة قبل القرار، وسعة الصدر قبل الحسم، والإنصات قبل التوجيه، والإيمان بأن الإنسان هو أساس النجاح الحقيقي لأي مؤسسة. فقد كان معاليه مدرسةً في الإدارة الإنسانية، والاتزان، والاحتواء، ونموذجاً في تقدير الكفاءات الوطنية ومنحها الثقة والدعم.
كما كان لسعادة الأستاذ الفاضل جمال محمد فخرو، النائب الأول لرئيس مجلس الشورى، أثر كبير في تشكيل الكثير من خبراتي المهنية والإنسانية، من خلال ما يمتلكه من حنكة وتجربة ورؤية وطنية واسعة. ومن خلال مشاركات وفود الشعبة البرلمانية في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي، تعلمت من بوفراس الكثير في العمل الدبلوماسي البرلماني، وفي تمثيل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن البحرينية
