لكل بناءٍ سياسيٍّ أساسٌ يقوم عليه، فإذا اختلَّ الأساس تهاوى البناء حجرًا حجرًا، ولو شُيِّدت جدرانُه من حديد. وإن أزمة الشرعية في البلاد لا تشبه أزمةً عابرةً في بلدٍ يمر بمخاضاتٍ انتقالية، بل هي انهيارٌ في الأساس ذاته؛ انهيارٌ في الجذر قبل الغصن، وفي السند قبل المتن، وفي الروح قبل الجسد.
ومن هنا يطرح السؤال المؤسِّس: من أين يستمد مجلس القيادة الرئاسي شرعيته؟
إن من يفتش عن إجابةٍ لهذا السؤال في نصوص دستور البلاد، فليعلم أنه يبحث عن شيءٍ غير موجودٍ أصلًا. وبهذا فإن المجلس الرئاسي، بكل ما يمثله من شرعيةٍ هلامية، لم يُستند في نشأته إلى مادةٍ دستوريةٍ واحدة. لم يُخلق بولادةٍ شرعيةٍ عبر قناة الدستور، بل وُلد قيصريًّا، انتُزع من عدمية المسوغ القانوني، ثم أُلبس عباءة "إعلان نقل السلطة" في السابع من أبريل عام ألفين واثنين وعشرين.
ففكرة الإعلان السياسي للمجلس الرئاسي، لا تحمل قانونًا ولا مرسومًا ولا اتفاقيةً مصدَّقة، تتحول فجأةً إلى مصدرٍ للسلطات جميعًا. والأخطر من ذلك، أنه ينصب نفسه حاكمًا على الدستور، فتجده في المادة التاسعة يعلن: "يُلغي هذا الإعلان ما يتعارض مع أحكامه من نصوص الدستور والقوانين". ومن هنا قُتل الدستور لا برصاصة، بل بحبر إعلان، وصار الدستور، الذي يجب أن يكون سيد النصوص، صار عبدًا لإعلان، وهذه هي فوضوية السند في أقصى تجلياتها.
ثم تأتي فوضوية السند من زاويةٍ أخرى لا تقل فداحة، وهي حين فُوِّض الرئيس المنتخب صلاحياتِه للمجلس الرئاسي، ليبدو التفويض في الظاهر وكأنه يسبغ على المجلس رداء الشرعية، غير أنه في العمق القانوني جعل المجلس الرئاسي مجرد وكيل، والرئيس الشرعي مجرد موكِّل. والوكالة، في القانون، عقدٌ قائم على شخص الموكل، فإذا مات الموكل انتهت الوكالة فورًا. وهذا ما حدث: مات الرئيس الشرعي، الموكل الوحيد، فصار المجلس وكيلًا بلا موكِّل، وظلًّا بلا جسد، وفرعًا بلا أصل.
والمسألة الأخطر هي العبث في التوافقية التي أُقيم عليها المجلس الرئاسي. وفكرة "التوافق" هي ما نصت عليها المادة الأولى من إعلان 7 أبريل، حيث تشكل المجلس الرئاسي "استكمالًا لتنفيذ مهام المرحلة الانتقالية". واستكمال المرحلة الانتقالية لا يكون إلا بمشاركة القوى الأساسية التي انطلقت منها فكرة الانتقال السياسي؛ لأن المجلس، بهذا المعنى، لم يكن مجلسًا رئاسيًّا تقليديًّا، بل كان خارطةً سياسيةً مصغَّرة، تحاول أن تعكس توازنات الواقع في البلاد بكل تعقيداته.
ومن هنا فالتوافق ليس شعارًا يُرفع، بل آليةٌ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة 4 مايو
