لماذا طارق؟.. قراءة في جغرافيا الخوف الحوثي وحسابات الإصلاح ولغز الدولة اليمنية العميقة

تأتي من صنعاء وليس هناك شخصية يخشاها الحوثيون داخل الشرعية سوى "طارق".

المرمى نفسه ينكشف واسعاً عندما تنتقل الى مناطق الشرعية حيث "طارق" هو الهدف لدى كثير من نشطاء الإصلاح ( وليس كلهم بالطبع).

وهنا مربط الفرس في كثير من الأمور المرتبطة بوضع الدولة وقصتها في اليمن منذ 26 سبتبمبر على الاقل.

وبالذات في الظروف الراهنة!

لماذا وكيف وقع طارق في المنتصف أو كنقطة التقاء بين طريقين متقاطعين!

هذه دائرة .. ومن خلال الرسم سوف تجدون الدولة الوطنية في قلب هذه الدائرة بما هي فكرة يتنازعها مشروعين سياسيين إسلامويين متصادمين : الأول شيعي باسط على صنعاء حيث الكثافة السكانية والجبال والآخر سني قابظ في عدن وباسط على الجغرافيا.

مشكلة الجماعات الاسلامية في كل بلد عربي ان نزعاتهم الفكرية والسياسية تقف من الدولة الوطنية في موقع الخصم.

الحوثي ليس قوياً في مناطق سيطرته وبالذات داخل مناطق الهضبة العليا أو ما تطلق عليهم الإمامة إجباراً بـ " الزيود".

هذه المناطق هي مركز التحولات الوطنية الحاسمة على مستوى الدولة. ولولا ضباط تلك المناطق ما نجحت الثورة صباح السادس والعشرين من سبتمبر.

جرت العملية الهندسية هكذا: قرر الاجتماع التحضيري للثورة ان تمضي الامور هكذا كي تنجح الثورة: احد هؤلاء القادة : الفريق الجائفي أو المشير السلال نضعه على رأس الدولة ونظامها الجمهوري وسوف يهدأ الرأس للتو و يسرب بقية الضباط والجنود تباعاً وتهب حالة التفاف شعبي من جميع اليمن على اتساعها.

المشير السلال هو حجر الأساس في مشروع الدولة الوطنية وضباط الكلية الحربية هم الحائط الأول في بنائنا الوطني .

لذلك يحضر السلال في الذاكرة والوجدان الشعبي والوطني ليس كرئيس وإنما أبعد من ذلك : رئيساً و رمز الجمهورية الخالد ومبتدأها.

وعندما انتهت مرحلته لظروف محلية واقليمية بالغة التعقيد وتم الاطاحة به عاد الصداع الى الرأس وعادت الإمامة بعودة القلق ثم سقطت المناطق الواحدة تلو الاخرى حتى وقعت صنعاء في كماشة الحصار.

لكن صمدت!

كيف

صمدت العاصمة لأن الرئيس عبدالرحمن الإرياني والقائد العام حسن العمري ورئيس الاركان البطل عبدالرقيب وكل القادة العظام حولهم لم يتركوها سائبة: كما جرى الحال ي 2015.

قاوموا فقاوم معهم الشعب في كل جبهاتها وجاء المدد الشعبي من جميع اليمن بكثافة وتبخرت أحلام محمد بن الحسين.

علي عبدالله صالح كان أحد هؤلاء الأبطال في سلاح المدرعات الذين منعوا سقوط عاصمة الجمهورية العربية اليمنية وعودتها الى قبضة الإمام.

لذلك في 2015 خرج علي عبدالله صالح وميليشيا الحوثي تذرع شواع العاصمة صنعاء وألقى تصريحاً مقتضباً بلهجة اختلطت فيها السخرية بالقهر وبالحزن وبالعجب! وقال: لاحظوا تصدينا لهم في حصار السبعين وكسرناهم على أسوار العاصمة بإمكاناتنا البسيطة وهؤلاء وقفوا عاجزين وبأيديهم دولة وهاهم اليوم يسرحون ويمرحون في شوارع صنعاء.

كان مقهوراً وساخراً وشامتاً من ناكري المعروف. وسمعت أحد كبار ضباط الحرس الجمهوري العسكريين المتقاعدين بعدها بأشهر وهو يتأمل سيارات اطقم الشاص العسكرية القديمة مويل 84 الجديدة تخرج من مداخل مرابضها والحوثيون يستعرضون بها في شارع القيادة سيارات قديمة لكن جديد لانج :" إذا كان أحد مقهور على مقدرات هذه الدولة المنهوبة اليوم فهو علي عبدالله صالح أو علي صالح الأحمر حيث كانت هذه المعدات محتفظين بها لمثل هذا اليوم لكن سلبوا من هؤلاء الأسود شرعية اتخاذ القرار.

وهذا صحيح.

واعتقد ان هذه واحدة من أكبر مآسي التأريخ !

واذا كانت شخصية المشير السلال العسكرية كانت ضرورية لقيادة التحول في بداية الجمهورية فإن شخصية الفريق العمري من موقعه كقائد عام للجيش كان الامتداد الضروري على مستوى الترميز العسكري والاجتماعي لتلك الصيغة في حصار السبعين بأبعادها الوطنية.

ظل الرجلان طوال فترة نضالهما في خنادق الدفاع بكامل الجاهزية : هل رأيتم أحدهما بدون البدلة العسكرية طوال فترة وجودهما على رأس الدولة.

ينتمي كلاهما الى الجيش وينتميان في الذهن الشعبي الى الحاضنة الإجتماعية التي تظهر على ألسنة الاماميين الجدد تحت تصنيف أو مسمى " زيود"! ويرددها بالمقابل ــ ياللغباء ــ: الجمهوريين الجدد.

انكسرت القوى الملكية يومئذ ولكي تمد الجمهورية خطوتها الثانية كان لابد من رئيس يتموضع في الأعلى كشوكة ميزان فكان القاضي عبدالرحمن الارياني بكل ما ترمز اليه تلك الشخصية من اعتدال وتوازن في واقع جديد ومتداخل شديد الوعورة.

نعم الرئيس العظيم القاضي الارياني ثم تبعتها خطوتان بمدى زمنيٍ اقل في زمن الحمدي والغشمي لتأتي الخطوة الأطول والأبلغ مدى: خطوة الرئيس علي عبدالله صالح..

وجاء هادي رحمه الله فكانت خطوته في الظلام: ووقع الجميع في الهاوية!

كانت مرحلة الرئيس صالح واسعة وابتعدت كثيراً من خطر الإمامة الكامنة في الزوايا فلما كادت الدولة ان تكتمل: جيشا واحزابا ومؤسسات وانتخابات تبدأ من المركز المحلي وتنتهي بالرئيس نكصت القوى واعادتها الى المربع رقم 1.

سقطت العاصمة ولم يفعل الرئيس هادي ووزير دفاعه ورئيس الاركان كما فعل الرئيس الارياني والعمري وعبدالرقيب .

عادت الإمامة بعد نصف قرن من غروبها في رمشة عين وإذا بالإمامة الحديثة أكثر تخلفاً من آخر إمام ثارت عليه اليمن في 26 سبتمبر 1962.

كان علي عبدالله صالح داهية ومن بين آخر الزعماء الأذكياء الذين يعرفون كيف يتبرمج المركز وكيف يتصدع.

هذا هو سر أسرار اليمن عبر العصور. هو سر الدولة الحميرية ومفتاحها وكان علي عبدالله صالح أحد أعظم القادة في التأريخ الذين تمكنوا من حل هذه المسألة الرياضية بالغة التعقيد والتشابك والخطورة والمغامرة.

اليمن هي اللعز الذي حيّر الترك وحيّر الزعيم عبدالناصر وحيّرت حروبه التأريخ عبر الحقب.

ولذلك لا تستغربوا عندما تبدو اليمن دائخة وفي حالة حيرة لدى ابنائه ولدى الإقليم والعالم.

لأن اليمن هي لعز التأريخ وقصته الكبرى.

تقوم الديولة في اليمن على البراعة والدهاء والمغامرة وكان علي عبدالله صالح أحد أبرع هؤلاء المغامرين التأريخيين و الدهاة.

هو لا يردد كلاماً عبثياً عندما يقول :" انا احكم على رؤوس الثعابين" ثم يضحك ضحكة البارعين.

علي عبدالله صالح ربما هو الرئيس الوحيد في تأريخ السياسة الذي شكل له خصوماً على طريقته واختار خلفاً له رئيساً بديلاً على طريقته لذلك صدقوه عندما يقول مستخفاً بخصومه:" هم خبز بطني والعجين"!

كان علي عبدالله صالح يتحرك داخل هذه البلد الرهيب كالأسد وسط الأجراش وكنا نرى خصومه كباراً عندما كان على رأس السلطة. ثم لما غادرها صاروا بهذا الوزن الذي نرى.

مشروع هذا الرجل هو الأضمن لليمن وللإقليم وبدونه الإمامة هي الأقوى واليمن سيبقى مفتوحاً للاحتراب وللتدخلات من كل نوع.

لذلك لماذا يكره الإماميين الرئيس علي عبدالله ويحاولون كل يوم الاجهاز على إرثه ومشروعه إن على مستوى الجيش والحزب والاسرة وان على مستوى التأريخ والأثر.

والعجيب ان "اخوان اليمن" الذين انفردوا دون غيرهم في اقطار العالم العربي بمشاركتهم وتنعموا وسادوا طوال عهد هذا الرئيس باتوا يلعنون هذا العهد بكل صلف ووقاحة.

لن تقبل اليمن برجل يحكمها عبر "الأخوان" هذا أمر محسوم ويراهن عليه الحوثي اليوم لا سواه.

كما ان نجاتهم في اليمن مرهون بترك الدولة الوطنية تعود ومؤسساتها تمضي بصيغها الوطنية لا أن تتوقف المعاول.

هذه نصيحة!

لكن هناك مشكلة بالنسبة لمن اصابتهم لعنة التأريخ: أعني ايضاً أولئك العالقين داخل دوامة مناخ الربيع العربي الذي زعزع حائط العرب.

اليمن هي اللغز وعندما بلغ الملك الحميري "شمريهرعش" بجيوشه الى تخوم الفرات تاهت أمامه الرؤية واتسع المدى فوقف حائراً على فرسه على الماء كما تقول الاسطورة وأنشأ "الحيرة" وعرفها التأريخ بهذا الإسم "حيرة الملك"!

وبسبب تلك الحيرة تضاءل الملك في اليمن وجاء الفرس عبر ملوك الحيرة الذين اتجه اليهم سيف بن ذي يزن يستنجد بهم لطرد الاحباش حلفاء بيزنطة ( الغرب).

ودخلت اليمن من يومها في اخاديد من التفكك والاحتراب الطويل. حتى جاء النبي محمد وقاد اليمن بالحكمة والذكاء ثم فتح بهم اصحابه من بعده مشارق الارض ومغاربها.

كان هذا النبي العظيم على علم بهذا "اللغز". وفي اليوم الذي وقعت فيه معركة " بدر" وقعت واحدة من اكبر المعارك التأسيسية في اليمن حيث اقتتل حلف همدان الكبرى أمام حلف "مراد" المذحجية على ارض الجوف وكسبت همدان الحرب حيث سقط من مراد 66 داهية ( شيخ) ولما اتجه فروة بن مسيك المرادي الى كندة يستنجدها لإعادة الكرة على همدان رفضت حضرموت لأن "كندة" لا تنقسم مع همدان عبر التأريخ فذهب آخر دهاة مراد الى طيبة والتقى النبي ودخل في حلفه مبايعاً ثم سأله النبي كما في الأثر :" ماذا عن يوم الردم " فاستُفز فروة بن مسيك وقبض رأس الجنبية في وضعية من يريد الثأر من همدان فالتفت النبي الى اصحابه مبتسماً و قائلا :" لو اسلمت همدان لما اسلمت مذحج"!

حل النبي الاشكال بتلك الصيغة التي ضمنت للقبيلتين العظيمتين قدرهما من التوازن وشمل ذلك بقية اليمن ضمن صيغ الحكم المقبولة يومها ثم وحد اليمن كلها تحت رايته.

من يقرأ مذكرات القاضي الارياني يدرك الابعاد التأريخية لهذه الخرائط. في 48 بذل النصح الكبير وهو في إب والترجيات للاستاذ النعمان ومن معه الا يصعدوا الى صنعاء في مثل هذه الظروف وبدون ترتيب.

وقال في الجزء الاول ان صنعاء سقطت في يد الامام بسبب تراخي عبدالله ابن احمد الوزير في الدفاع عنها.

وانا ازيد فوق ذلك : سقطت صنعاء يومها لأن الملك عبدالعزيز ايضاً كان يرى هناك خطأ ارتكبه ابن الوزير وكان عبدالعزيز آل سعود أحد دهاة التأريخ.

كان يفهم "اللغز" ولم يدفع الجبل في الاتجاه المغاير : ترك الامير احمد ان يستعيد حكم والده لانه الاقوى وعطل مشروع قرار الجامعة العربية المساند لابن الوزير.

منذ صعوده للحكم رسم علي عبدالله صالح لنفسه من الناحية الشكلية طريقاً دستورياً لتسلم الحكم وظل يجدد هذا المسار الديمقراطي ويتعهده ويرى مستقبله فيه ومن خلاله ولذلك كان خصومه اغبياء عندما أجبروه على النزول عبر السلم وليس عبر السلم الحديث بالانتخابات.

ولم يفهموه حتى اليوم عندما كان يقول :" نعالج مشاكل الديمقراطية بالمزيد من الديمقراطية".

كانوا يسخرون وتركوها. وكان يرى ان البدائل للديمقراطية حروب وقد يهوي البناء و يسقط المعبد فوق رؤوس الجميع.

كان الرجل ملتحماً بالديمقراطية ومتباهياً بها من موقع القوة الشعبية وزخم الحضور وكان لا يرى مستقبله الا عبرها ومستقبل أولاده الا عبر الدولة ولذلك رباهم على فكر الدولة والمؤسسات ومات وهو يقاتل الإمامة فكيف لو كانت بيد هذا القائد الشجاع شرعية الدولة!

كانت 2011 هي صدفة التأريخ التي تداهم العظماء في لحظات الصفو والأمان.

ومع ذلك هناك من يقول ان "صالح" كان قد عمل حسابه لمثل ذلك اليوم.

ولا اظن!

جاءت الصدفة كالريح العاتية التي اقتلعت كل شيء وكانت حادثة النهدين هي الانتكاسة الاعظم في نفسية وذهنية هذا القائد العظيم. هي الجرح الذي لم يتوقعه فأدماه عميقاً على المستوى النفسى ويا أسفاه على ذلك الزعيم العظيم.


هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من نافذة اليمن

منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
عدن تايم منذ 12 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 7 ساعات
عدن تايم منذ 11 ساعة
عدن تايم منذ 5 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات
عدن تايم منذ ساعتين
صحيفة عدن الغد منذ 11 ساعة
نافذة اليمن منذ 6 ساعات