ماذا يحدث حين تقرّر امرأة مغربية أن تفاوض السّماء على حدود الممكن؟ ماذا يبقى من الخوف حين تضع قدميها فوق جليدٍ لا يرحم، وتترك خلفها صخبَ الأرض، وتصعد نحو مكانٍ تختبر فيه الرُّوح حقيقتها القُصوى؟ أتصعد إلى “إيفيريست” و”لوتسي” كي تبلغ قمتين فقط، أم كي تقول للعالم إن المرأة حين تُؤمن بحُلمها تغيّر مَعْنى الارتفاع، وتُحوّل الجبل من كتلة صامتة إلى شاهدٍ على مَجْدها؟ وكيف نقرأ إنجاز نوال صفنضلة، وهي تحملُ المغرب إلى سقف العالَم مرتين في مسار واحد، من غير أن نشعر أن الحكاية خرجت من حدود الرياضة ودخلت فضاء الأسْطورة؟
حين تصعد المرأة المغربية إلى ما بعْد المستحيل
في لحظةٍ يتراجع فيها الهواء، وتصبح السّماء أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع، كانت امرأةٌ مغربية تشقُّ طريقها فوق جليد العالم لتكتبَ اسمها واسم المغرب في الصفحة التي لا يصل إليها إلاّ القليلُون. هناك، بين الصّمت الأبيض القاسي، وبين الموت الذي يختبئ خلف كل خطوة، تحقق الإنجاز الذي بدا مستحيلاً: صعود قمتي Everest وLhotse المتجاورتين دفعةً وَاحدة، في سابقة تاريخية لامرأة مغربية. في تلك اللّحظة، لم تَكن نَوال صفنضلة تمشي فوق الثّلج وحده، كانت تمشي فوق تاريخٍ من التّحديات، وفوق أسئلةٍ قديمة حاولت أن تحاصر المرأة داخل حدود ضيّقة. وكلما ارتفعت خطوة واقتربت من القِمة، بدا المغرب أقْرب إلى السّماء.
لم يكن الأمر مجرد تحدٍّ رياضي؛ كان مُواجهةً قاسية بين الإنسان وحُدوده، بين الإرادة والجسد المنهك، بين الحلم والهاوية. في تلك الارتفاعات التي تفقد فيها الكلمات معناها، ويتحوّل التنفس إلى معركة، كانت نوال تواصل الصّعود بإصرارٍ يشبه الأساطير القديمة. كل خطوة فوق الثلج كانت إعلاناً صامتاً بأن المستحيل ليس قانوناً، بقدر ما هو خوفٌ يتوارثه النّاس. وكل مترٍ نحو القمة كان انتصاراً لامرأةٍ حملت وطنها في قلبها، وصعدت به إلى أعلى نقطة على وجه الأرض. لم تكن “إيفيريست” مجرد قمة، كان امتحاناً للرُّوح، ولم تكن “لوتسي” مجرد جبل ثانٍ، كانت قمته امتداداً للخَطر نفسه، وللإرهاق الذي يسحَق أقوى المتسلقين. ومع ذلك، واصلت الرحلة بين القمّتين في إنجاز نادِر حتى على مستوى النخبة العالمية في رياضة التّسلق. الجبل هناك لا يمنح فرصة ثانية بسهولة؛ الريح تختبر الأعصاب، والبرد يفتّش في العظام، والعزلة تضع الإنسان أمام صورته العارية. ومع ذلك، صنعت نوال من هشاشة الجسد قوةً أخرى، ومن التعب لغةً جديدة، ومن الصمت نشيداً داخلياً لا يسمعه إلا من يعرف أن المجد لا يولد في راحة الكراسي الوثيرة.
ما يجعل هذا الحدث مدهشاً ليس فقط ارتفاع الجبلين، وإنما حجْم العَزيمة التي احْتاجتها امرأةٌ عَربية ومَغربية كيْ تَقف هُناك، في منطقةٍ يختفي فيها الأكْسجين، بينما يتضخَّم الحُلم حتى يصبح أكبر من الجَسد نفسه. لقد كان صُعودها رسالةً تتجاوز الرياضة، لتقولَ للعالَم إنَّ الطّموح لا جنسية له، وإن النساء لا يصعدن إلى القِمم، إنهنَّ يغيّرن معْنى القمّة نفسها.
صعودٌ مغربيّ إلى الأسْطورة
ومن المغرب، من أرض الأطلس والريح والبحر، خرجت هذه المتسلقة لتثبت للعالَم أن امرأة مغربية قادرة على أن تصنع أعظم اللحظات فوق سقف العالَم. إنه إنجاز يُقاس بالأمتار، ويقاسُ بالشجاعة أيضا. ولا يُحفظ في سجلات الرياضة وإنما في ذاكرة الدّهشة الإنسانية. كأنها حملت معها ذاكرة الجبال المغربية إلى جبال الهمالايا؛ حملت صلابة الأطلس، ونَفَس الصحراء، واتساع البحر، ودفء المدن التي تؤمن أن أبناءها وبناتها يستطيعون أن يذهبوا أبعد مما تخيّلوا. لذلك لا يبدو هذا الإنجاز غريباً عن المغرب، إنه امتدادٌ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
