وقبل أن تجتاحنا هذه الفضاءات الافتراضية بوسائلها التواصلية التي أخلت بالتوازنات الرمزية للمجتمع كان هذا الموروث يحظى بإجماع وتزكية جماعية مجتمعية فلم يجد فيه فقهاء سوس وعلماؤها الكبار المشهود لهم بالتبحر والورع أي تعارض مع السلوك الديني القويم بل كانت منصة الفرح والكرنفال تحاور في تناغم بديع صومعة المسجد.
والأجمل هنا أن هؤلاء المحتفلين ببهجة العيد هم أنفسهم النواة الصلبة التي عمرت مساجد المنطقة ومدارسها العتيقة وحملت على عاتقها إطعام طلبتها وتوفير ملذات العيش لهم.
هذا المشهد التاريخي المتصالح مع نفسه يضعنا اليوم أمام سؤال حارق ومقلق:كيف استطاع هذا الموروث التراثي، بين عشية وضحاها، أن يتحول إلى فزاعة تُزعزع قناعة المسلم وتُشكك في عقيدة أبناء سوس؟
ومن الذي ملك الجرأة لإقحام هذا المشترك الإنساني ضمن ثنائية "الحلال والحرام" الضيقة والمشحونة؟
وهي المفارقة التي التقطها بذكاء الدكتور الحسين بويعقوبي حين نبه إلى تهافت هذا الطرح الأنثروبولوجي.
إن تفكيك هذا الهجوم الشرس يفرض علينا ألا نقف عند القشور أو نكتفي بالتفاعل السطحي مع هذه الحملة الممنهجة خاصة هذه السنة والحقيقة التي يجب أن تُقال وبدون لغة خشب هي أننا أمام اختراق فكري وافد منبعُه أدبيات تدينيّة غريبة تماماً عن بيئتنا المغربية
كإيديولوجية جافة تحاول خندقة مجتمعنا المتعدد والتنوع في قالب واحد تحت قاعدة ان البهجة الشعبية وفرح الأعياد رجسُُ وبدعة.
وفي مواجهة هذا الجفاف الفكري لا نملك إلا أن نستند إلى العمق التاريخي لمنطقة سوس المحمي بنموذج تديني مغربي أصيل يتأسس على مقاصد الشريعة التي تتوخى مصالح العباد ويستحضر الفسحة النبوية التي أقرت اللعب والترويح عن النفس وتزكية الفرح الإنساني
فالدين الإسلامي في جوهره لم يأتِ ليمحو ثقافات الشعوب أو يفتك بأفراحها بل جاء مستوعباً لها ما دامت تخدم السكينة والبهجة وتؤكد ذلك التوصية النبوية الحكيمة التي تفتح مجالات الترويح بمسؤولية:
«لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (رواه الإمام أحمد في المسند)
من هنا تبدو الثنائية المصطنعة التي تحاول وضع الدين في مواجهة الثقافة مجرد وهم أيديولوجي فالتاريخ السوسي يشهد على تكامل فريد يتجاور فيه خادم المدرسة العتيقة بوقاره وعلمه مع مبدع الكرنفال بتلقائيته وفرحه دون تصادم أو إقصاء
هو التناغم الذي منح للظاهرة قدرة هائلة على التطور الجمالي التنظيمي لتتحول اليوم إلى كرنفال معاصر يعبر عن حيوية الهوية الأمازيغية وانفتاحها على العصر وجيل الشباب.
إلا أن التهديد الذي يتربص بهذا الموروث اليوم لا يأتي فقط من جبهة التحريم والمنع الجافة بل يأتيه أيضاً من جبهة أخرى لا تقل خطورة.. وهي جبهة الركوب السياسي والانتهازي. فلا فرق في الجرم والتشويه بين من يشهر سلاح التكفير والتبديع لاجتثاث "بوجلود" وبين من يستغل هذا الموروث الشعبي العفوي لأغراض سياسوية مكشوفة وأجندات انتخابية ضيقة محاولاً تحويل ساحات الفرح والفرجة الجماعية اللامادية إلى خزان انتخابي مؤقت أو ورقة للمزايدة السياسية وهو ما يفرغ الظاهرة من طهرانيتها الرمزية وعمقها الأنثروبولوجي اللذين تميزت بهما عبر العصور.
إن قراءة ظاهرة "بوجلود" بعيون موضوعية تفرض التعامل معها باعتبارها تميزاً لسانياً وسلوكياً لساكنة طبعت التاريخ بخصوصيتها ولا يمكن بأي حال من الأحوال اتخاذ بعض الانحرافات المعزولة المرافقة لها أو محاولات توظيفها السياسي ذريعة للتشكيك في شرعيتها الثقافية أو المطالبة باجتثاثها.
نعم، هناك ظواهر مشينة تسللت في السنوات الأخيرة أبرزها توظيف أقنعة مستوردة مشوهة للجانب الفني الفرجوي فضلاً عن سلوكات طائشة لبعض الشباب المرتبطة بتناول المخدرات والتي تؤدي أحياناً إلى انزلاقات خطيرة تزهق فيها الأرواح مجاناً.
لكن النقاش الصحي والمسؤول لا يكون بالمنع والتحريم،بل بالتركيز على تنظيف هذا الإرث من هذه الآفات الطارئة ومن التوظيفات المغرضةوتثمينه بعيداً عن تهم التكفير الجاهزة وعن حسابات صناديق الاقتراع.
نحن مطالبون اليوم بضرورة رسم خارطة طريق عملية لحماية هذا التراث اللامادي بدل السقوط في فخ جلد الذات الثقافية والانسياق وراء دعوات المنع والتحريم الوافدة أو الاستسلام لمحاولات الاحتواء السياسي يفرض علينا الواجب الوطني والجمالي صيانة هذا الإرث وتثمينه
أما تلك الشوائب والسلوكات السلبية فعلاجها لا يكون بقطع الشجرة من جذورها بل بتشذيبها بالوعي والنصيحة والمواكبة التنظيمية والمؤسساتية المستقلة لتظل هذه الاحتفالية مرآة حضارية لثقافة مغربية متصالحة مع دينها فخورة بتاريخها ومتمسكة بحقها الإنساني المشروع في الفرح والتعبير.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
