هل ينبغي للإنسان كي يستحق صفة المثقف أن يعرف مصير الشمس، ونظرية الثقوب السّوداء، ومقامات الشعر، ومُحاورات أفلاطون، وتاريخ المسرح، وقوانين الهندسة، ثم يعود إلى بيته آخر النهار مطمئنًّا إلى أنه لم يخُن الحضارة؟ وهل يكون الشاعر أقلَّ شاعرية لأنه لم يحسب عُمْر النّجوم، أو يكون العالِمُ أقل إنسانية لأنه لا يعرف أين تَبيتُ الاستعارة حين تغيبُ عن القصيدة؟ ثم من قال إن “اكتمال الإنسان” يكون بتكديس المعارف في رأسه كما تكدّسُ البضائع في مخزن ضيِّق، لا بإدراك حُدوده، وحسن الإصغاء إلى ما يتجاوزه، والتواضع أمام ما لا يملِكُه؟
كيف تصبح “مثقفًا شاملًا”؟
قلتُ في حديثٍ سابق إنني سأعود إلى موضوع “الإنسان الكامل”، وها أنا أعود إليه اليوم لا على سبيل التتمّة لما سبق، ولا بوصفه حلقةً متصلةً بما مضى. فالإنسان الكامل أفقٌ يتمّ الاقترابُ منه كلما اتسعت الرؤية وصفا التأمُّل. وما يأتي في هذا الحديث ليس تتمّةً بالمعنى المألوف، بقدر ما هو بيانٌ آخر لِسِرّ الإنسان حين يسمو بنفسه فوق العادة، ويجعل من وجوده شاهدًا على إمكان الكمال. يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى فاتنًا: عالِمٌ يكتب مثل شاعر، وشاعرٌ يفكّر كالفيزيائي، وطبيبٌ يحفظ المعلقات، وروائيٌّ يشرح الثقوب السوداء كما لو كان يصف عتمة القلب. من ذا الذي يكره هذا الحلم؟ ومن ذا الذي يرفض أن يتصالح العقل والخيال، وأن تجلس المعادلة إلى جانب الاستعارة في مقهى واحد، من غير أن تسخر إحداهما من الأخرى أو تطلب لها كأس ماء؟
غير أن الأحلام الجميلة، حين يتمّ قولها بلهجة الوَعظ، قد تتحول سريعًا إلى أوامر مدرسية. وهنا تبدأ المشكلة. ينظر بعض ” مثقفينا” إلى ” المثقف” باعتباره مفكرا جامعا بين العلم والأدب، لكنه يكاد، في باطنه، يجعل من هذا الإنسان كائنًا إلزاميًّا، كأننا أمام نسخة جديدة من المواطن المثالي. أما الإنسان العادي، الذي يحاول فقط أن يفهم فاتورة الكهرباء، فلْيَجْلسْ في آخر الصَّف، فهو لم يبلغ بعد مرتبة “الإنسان الكامل”. ليست المشكلة في الدعوة إلى التوازن بين العلوم والآداب؛ فهذه دعوة نبيلة لا يجادل فيها إلا من خاصم البَداهة. المشكلة في تلك النبرة التي تجعل الجهل بالعِلْم خطيئة أدبية، والجهل بالأدب نقيصة علمية، كأن قيمة الإنسان لا تكتمل إلا إذا حمل في رأسه مختبرًا ومكتبة ومسرحًا وقاعة موسيقى ومركز أبحاث. هذا، لا يصنع إنسانًا كاملًا، بقدر ما يصنع مخلوقًا مرهقًا، يشبه حقيبة سفر حُشر فيها كل شيء حتى لم تعد تصلح للسفر. يا لها من سخرية أن يأسَف أحدهمْ لأنَّ شاعرًا كبيرًا لم يكن يعلم أن الشمس ستنطفئ يومًا ما.
حسنا. هذا جهل علمي، لا ريب. لكنه ليس كارثة حضارية تستوجب إطلاق صفارات الإنذار. فالشاعر حين يقول إن عمله سيختفي بانطفاء الشمس لا يفكر بعقل الفيزيائي، وإنما بحساسية من يرى الكون مقبرة مؤجلة لكل ما أحبّ. قد تكون معلومته ناقصة، لكن دهشته صادقة؛ فكم من العلماء، في المقابل، يملكون قدرة حقيقية على فهم اللغة، والرمز، والأسطورة، والتاريخ، وتشظي النفس البشرية؟ وكم مِنْهُم إذا قرأ قصيدة ظنّها جملة غير واضحة كان ينبغي تعديلها لتصبح أكثر وضوحا؟ والأخطر من ذلك أن بعض المثقفين يخلطون أحيانًا بين التَّخصُّص والانْعزال. فليس كل تخصُّص ضيْقًا، وليس كل موسوعية حِكمة.
ثقافةُ البُوفِيه المفتوح
يتحدث بعض المثقفين عن “الفكر العابر للتَّخصصات”، وهذا تعبير جميل، لكنه قد يصبح، في بعض السياقات، مظلة أنيقة للسَّطحية. فليس كل من جمع بين كلمتي “الرياضيات” و”الشعر” صار “أفْلاطونا جديدًا”، وليس كل من وضع “الفن” بجانب “الهندسة” في برنامج دراسي قد أنقذ الأمة. أحيانًا تكون الدعوة إلى التداخل بين المعارف مجرد وليمة خِطابية: الجميع يتحدث عن الجُسور، ولا أحد يعرف كيف يبني حَجرًا واحدًا. هنا تكمن الكوميديا القاتمة، نريد أن نصنع إنسانًا شاملًا، لكننا لم نصنع بعد مدرسة تحترم عقل الطفل، ولا جامعة تكافئ السؤال، ولا فضاءً عموميًّا يفرّق بين العالِم والثرثار ذي الصوت الجَهُوري.
في مقابل ذلك، يعلن بعض “مُحترفي الكلام” خوفهم من “الميتافيزيقيين الذين لا يعرفون شيئًا عن العالَم الفيزيائي”؛ وهذه عبارة تحتاج بدورها إلى شيء من الحَذر. فالميتافيزيقا ليست بالضرورة عدوّة العِلْم، كما أن الفيزياء ليست ضمانة ضدّ البَلاهة؛ كم من خطاب علمي استُعمل لتبرير العنف، والاستعلاء، والاستعمار، وعبادة التقنية؟ وكم من سؤال ميتافيزيقي علّم الإنسان التَّواضع أمام ما لا يملكُ له جوابًا؟ لا يكمن الخطر في الميتافيزيقا، ذلك أنه يكمنُ في الدَّجَل. وليس الخطر في العلم، إنه في تحويله إلى عصا تضرب كل ما لا يدخل المختبر. بهذا، حين يودّ كلُّ مَرْءٍ أن يُحرر الفكر من الاستقطاب، فإنه يقَعُ في استقطاب آخر: هذا شاعر جاهل بالشمس، وذاك عالم جاهل بالشعر، والحل أن ننتج إنسانًا كاملًا بالجُملة، كأننا في مصنع تربوي يخرج منه الطلاب مُزوَّدين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
