رحيل إدغار موران

رحيلُ إدغار موران، هذا الحكيم الذي عاش قرناً كاملاً وأكثر، ليس مجرد خبر وفاة لمفكّر كبير، لكنه شعورٌ بأن خيطاً نادراً كان يربط بين المعنى والإنسان، بين الفكر والحياة، قد انقطع أو يكاد. برحيله نفقد واحداً من تلك الأصوات القليلة التي كانت تذكّرنا، بإلحاحٍ هادئ، أن العالم لا يمكن اختزاله في معادلات بسيطة ولا في يقينيات مريحة، وأن التفكير الحقيقي يبدأ حين نعترف بأن الواقع أعقد من أيّ وصف جاهز.

وُلد إدغار موران سنة 1921 باسم إدغار نحوم، في أسرةٍ يهودية سفاردية حملت في جذورها نكهة المنافي ومرارة الشتات، فكبر وهو يلمس باكراً هشاشة الوجود وضبابية الانتماء. عرف الحرب في شبابٍ مبكّر، وانخرط في صفوف المقاومة ضد النازية، قبل أن يغيّر اسمه طلباً للحياة لا طمعاً في المجد. منذ تلك اللحظات، أخذ على نفسه عهداً غير معلن: ألا يفصل أبداً بين الفكر والتجربة، بين الفلسفة والجرح، بين النظرية والإنسان الذي ينزف تحتها.

لم يكن موران مفكّراً «مكتبياً» من أولئك الذين يكدّسون المفاهيم في برجٍ من الورق. كان ابن الميدان: من السينما إلى الشارع، ومن المصانع إلى الأزقّة، ومن المختبر إلى الصحيفة اليومية. كان يذهب حيث تتشقق اليقينيات: عند حدود التخصّص، عند تخوم الأيديولوجيا، وعند تلك النقطة الحرجة حيث يغدو الإنسان مجرّد رقم في إحصائية أو وظيفة في نظام. هناك، بالذات، كان يقيم سؤاله: كيف نعيد للإنسان وجهه في زمنٍ تُسطّحه العناوين والبيانات؟

مشروعه الأكبر، الذي اصطلح على تسميته «الفكر المركّب» أو «الفكر المعقّد»، لم يكن زخرفاً مفاهيمياً ولا مجرّد موضة أكاديمية. كان احتجاجاً أبستمولوجيا وأخلاقياً في آن واحد. احتجّ موران على نزعة التجزئة التي جعلت العالم يُرى في قطع متناثرة: عالمٌ للبيولوجيا، وآخر للاقتصاد، وثالث للسياسة، ورابع للروح… كأن الإنسان يمكن أن يُفهم إذا قُطّع إلى أجزاء. في مواجهة هذا الميل إلى التفكيك الأعمى، دعا إلى «الربط» لا «الفصل»: إلى فهمٍ يعترف بأن البيولوجي والاجتماعي والسياسي والرمزي خيوطٌ متشابكة في نسيج واحد، لا تُفهم إلا في تداخلها.

في عمله الضخم «المنهج»، كما في كتبه اللاحقة حول «التربية» و«المستقبل البشري»، ظلّ موران يذكّر بأن المعرفة التي لا ترى تعقّد العالم تتحوّل، بسهولة، إلى جهل متغطرس. دعا إلى تربيةٍ تعلّم الإنسان أن يتعايش مع اللايقين، أن يربّي في نفسه حسّ التواضع المعرفي، وأن يدرك أن «الوحدة البشرية» ليست شعاراً سياسياً بقدر ما هي حقيقة أنطولوجية وأخلاقية تفرض نفسها: نحن مختلفون، نعم، لكننا ننتمي إلى مصير واحد على كوكبٍ هشّ، يخضع لمعادلات بيئية واجتماعية لا ترحم.

في زمنٍ كان يغري بالانغلاق في الاختصاص الضيّق، اختار موران أن يدفع ثمن «العبور بين الحقول». انتُقد لأنه «يتدخّل في كل شيء»، وسُئل: أأنت عالم اجتماع، أم فيلسوف، أم مؤرّخ، أم أنثروبولوجي، أم ناقد للمعرفة؟ وربما كان جوابه، غير المعلن، أن هذا السؤال نفسه هو جزء من المشكلة: المشكلة التي تريد لكلّ معرفة أن تُحبس في قفص، ولكلّ مفكر أن يسجن نفسه في حقل واحد، ولو كان ذلك على حساب فهم الإنسان والعالم. لذلك ظلّ يفضّل صورة «النسّاج» على صورة «المهندس»: لا يبني منظومة مغلقة، بل ينسج خيوطاً بين تجارب ومعارف متعدّدة، تاركاً للثغرات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 24 دقيقة
منذ 44 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 16 ساعة
Le12.ma منذ 9 ساعات
جريدة كفى منذ 17 دقيقة
آش نيوز منذ 5 ساعات
جريدة كفى منذ 14 ساعة
هسبريس منذ ساعة